منوعات

ارضعت

أحدّق في سقف الغرفة المظلـ . ـم. ثم أتذكر السريـ . ـر فارغ. والغطاء مطوي. ولا أحد هناك. حتى الحليب الذي كان يتسرّب مني ليلًا… كنتُ أقف بسببه طويلًا تحت الماء وأبكي وحدي حتى الفجر. عاد مأمون بعد دقائق. كان وجهه مبللًا بالماء. ورائحة الصابون الشعبي الرخيص خرجت معه. توقف حين رآني أبكي. اقترب ببطء وقال: مريم… أشحتُ بوجهي فورًا. لا أريده أن يراني ضعيـ . ـفة. ليس هو. جلس بعيدًا وقال بصوت خـ . ـافت:

هل تعرفين ما أكثر شيء أخـ . ـافني بعد مـ . ـوتست البنات؟ لم أجب. لكنه أكمل: بعد الدفـ . ـن… رجعت البيت وحدي بعد صلاة المغرب… وسـ . ـمعت بكـ . ـاءه من داخل الغرفة. رفع رأسه نحوي لأول مرة. والله يا مريم… شعرتُ وقتها أن البيت بلا روح. ساد الصمـ . ـت بيننا طويلًا. ثم نهض فجأة وقال: سأغادر. لكنه توقف قرب الباب وأضاف بصوت مـ . ـتردد: هل يمكنني أن آتي غدًا بعد العصر فقط… حتى يرضع؟

نظرتُ نحوه. ثم نحو الطفل. ثم نحو سريـ . ـر طه الصغير في زاوية الغرفة. لم أُجبه فورًا. ظللتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة، بينما صوت المطر بالخارج يضـ . ـرب شبابيك البيت القديمة كأنه يذكّرني بأن الليل ما زال طويلًا. ثم قلتُ أخيرًا بصوتٍ مـ . ـتعب: بعد العصر فقط. أغمض مأمون عينيه للحظة، وكأنني أنقذتُه من الغرق. ثم حمل الطفل بحـ . ـذر شديد، كما لو أنه يخشى أن ينكسر بين يديه.

وقبل أن يفتح الباب، التفت نحوي وقال: جزاكِ الله خيرًا يا مريم. لكنني لم أرد. كنتُ قد تعبت من الكلمـ . ـات منذ مـ . ـات طه. خرج مأمون أخيرًا. وعاد البيت إلى صمـ . ـته القديم. ذـ . لك الصمـ . ـت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان. وقفتُ وحدي وسط الغرفة. ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا عليها قبل دقائق.

كانت البطانية ما تزال هناك. صغيرة. دافئة. اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب. وهنا انهرت. جلستُ على الأرض أبكي بصمـ . ـت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي. في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل. كعادتي منذ مـ . ـوتطه. النوم صار شيئًا غريبًا عني. أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر. هل كان سيشبهني؟ أم يشبه عادل؟ هل كان سيضحك كثيرًا؟

هل كان سيحب صوت المطر؟ أسئلة بلا إجابات. قمـ . ـتُ بهدوء. أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي. رائحة الهيل بدأت تملأ البيت. وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سـ . ـمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي. ذـ . لك الصوت وحده كان يمنعني من الانهيار الكامل أحيانًا. بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق. نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء. وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.

الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر قلبك. وهذا أكثر ما كان يوجـ . ـعني. كيف يمـ . ـوتطفل… ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟ جاء مأمون بعد العصر تمامًا. كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى. ترددتُ قبل أن أفتح الباب. لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان. دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك. ثم مدّ الكيس نحوي. أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة. نظرتُ إليه باستغراب. قال بسرعة: قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.

للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي. الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي، حتى بعد الطـ . ـلاق. أخذتُ الكيس بصمـ . ـت، ثم حملتُ الطفل من بين ذراعيه. وفور أن ضممـ . ـته إلى صدري، هدأ. تمامًا كما حدث بالأمس. راقبني مأمون طويلًا. ثم قال بصوت منخفض: سبحان الله… كأنه يعرفك. تجاهلتُ كلامه وجلستُ على الكنبة. لكن الحقيقة أن قلبي ارتجف. لأنني أنا أيضًا بدأتُ أشعر أنني أعرفه. مرت الأيام بعد ذـ . لك بطريقة غريبة.
صار مأمون يأتي كل عصر تقريبًا.

أحيانًا يبقى ساعة. وأحيانًا أقل. كان يجلس بصمـ . ـت أغلب الوقت، يشرب الشاي، بينما أرضع الطفل أو أحمله حتى ينام. وفي كل مرة كان يغادر… كان البيت يعود أكثر وحدة من قبل. بدأتُ ألاحظ تفاصيل صغيرة. كيف ينام الطفل واضعًا يده قرب أذنه. كيف يفتح فمه قليلًا أثناء النوم. كيف يبحث عن صوتي إذا ابتعدتُ عنه. وفي كل مرة كنتُ أقول لنفسي: لا تتعلقي به يا مريم. لكني كنتُ أتعلق أكثر. ذات مساء، بعدما غادر مأمون، اكتشفتُ أن قطعة القماش الصغيرة التي يلف بها الطفل بقيت فوق الكنبة.

حملتها لأعيدها غدًا. لكنني بقيتُ دقائق طويلة أضمها إلى صدري. أشمّ رائحته. ثم أبكي. بعد نحو أسبوع، كنتُ جالسة بعد المغرب أرتب ملابس طه الصغيرة داخل الصندوق الخشبي، حين دوّى طرق قوي على الباب. ظننتُ أن مأمون عاد لأنه نسي شيئًا. لكن عندما فتحتُ الباب… وجدتُ رجلًا غريبًا يقف أمامي. كان يرتدي جلابية بيضاء ويحمل ظرفًا بنيًا. سألني: أنتِ مريم عبد الرحيم؟ أومأتُ بصمـ . ـت. فمدّ الظرف نحوي وقال: ورق من المحكمة الشرعية. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.

أخذتُ الظرف بيد مرتجفة. ثم غادر الرجل بهدوء. أغلقتُ الباب ببطء. وبقيتُ واقفة في منتصف الصالة أحدّق في الظرف وكأنني أعرف ما بداخله. جلستُ أخيرًا على الكنبة. ثم فتحته ورقة طـ . ـلاق. عادل طلّقني رسـ . ـميًا. حتى دون أن يأتي بنفسه. حتى دون أن يسأل كيف أعيش وحدي بعد مـ . ـوتابني. شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري. وظللتُ أحدّق في اسـ . ـمي المكتوب أعلى الورقة. “مريم عبد الرحيم.” ثم أسفلها مباشرة…

“مطلـ . ـقة.” ضحكتُ فجأة. ضحـ . ـكة قصيرة ومكسورة. ثم بدأتُ أبكي. ليس بسبب عادل وحده. بل لأنني شعرتُ فجأة أن الدنيا كلها تُغلق أبوابها في وجهي مرة واحدة. طفلي مـ . ـات وزوجي تركني. وطليقي يعود كل يوم بطفل امرأة أخرى كي أرضعه. حتى حياتي نفسها لم تعد تشبهني. وضعتُ الورقة فوق الطاولة. ثم بكيتُ بصوت عالٍ لأول مرة منذ شهور. بكـ . ـاء امرأة تعبت من محاولة الصبر. امرأة بدأت تصدّق فعلًا أنها بلا حظ.

وفي وسط بكائي… بدأ صدري يؤلمني مجددًا بسبب امـ . ـتلاء الحليب. فضحكتُ وسط دمـ . ـوعي بمرارة أكبر. حتى جسدي ما زال يرفض تصديق أنني لم أعد أمًا. في اليوم التالي، لم يأتِ مأمون. انتظرتُه رغم أنني كنتُ أرفض الاعتراف بذـ . لك. بعد العصر بقليل، كنتُ قد أعددتُ الشاي بالفعل. وضعتُ كوبين فوق الصينية دون تفكير. ثم انتبهتُ لنفسي فضحكتُ بمرارة. ماذا أفعل؟ منذ مـ . ـتى بدأتُ أنتظر أحدًا أصلًا؟ مرّ الوقت بطيئًا.

وصوت الأطفال في الشارع بدأ يخفّ مع اقتراب المغرب. لكن الباب لم يُطرق. نظرتُ نحو الساعة القديمة المعلقة فوق الحائط للمرة العاشرة. ثم قلتُ لنفسي بحدة:
أفضل… دعيه لا يأتي. لكن قلبي لم يكن مقتنعًا. حلّ الليل. وكنتُ قد انتهيتُ من صلاة العشاء حين سـ . ـمعتُ طرقًا سريعًا على الباب. قفز قلبي بعنـ . ـف. فتحتُ الباب بسرعة… فتجمدتُ مكاني كانت الحاجة آمنة. وخلفها مأمون يحمل الطفل بين ذراعيه، ووجهه شاحب بطريقة أخـ . ـافتني فورًا.

قالت الحاجة آمنة بسرعة: الولد سخن من العصر. مددتُ يدي فورًا نحو الطفل. وحين لمـ . ـستُ وجهه، شعرتُ بالنـ . ـار في جلده الصغير. ارتعبتُ. يا ساتر يا رب… بدأ الطفل يبكي بصوت ضعيـ . ـف ومـ . ـتقطع. ذـ . لك البكـ . ـاء نفسه الذي يجعل قلب المرأة يرتجف حتى لو لم تكن أمًا. دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك. قال:
أخذته إلى الصيدلية… قالوا يجب الذهاب الى مستشفى. لم أفكر حتى. أخذتُ إسدالي بسرعة ولففته حولي، ثم حملتُ الطفل إلى صدري.

حتى الحاجة آمنة نظرت إليّ لحظة وكأنها فهمـ . ـت شيئًا لم أفهمه أنا بعد. كانت شوارع الخرطوم شبه فارغة تلك الليلة. الهواء رطب. وأضواء السيارات تنعكس فوق الإسفلت المبلل. جلس مأمون في الأمام داخل الركشة، بينما بقيتُ أنا في الخلف أضم الطفل إلى صدري وأقرأ عليه المعوذات بصوت مرتجف. كلما تأوّه… كنتُ أشعر أن قلبي يُعصر. وصلنا إلى مستشفى بحري بعد منتصف الليل. الرائحة نفسها. الممرات نفسها. حتى صوت الممـ . ـرضات أعاد إليّ تلك الليلة التي فقدتُ فيها طه.

توقفتُ فجأة عند الباب. وشعرتُ أن قدميّ لم تعودا قادرتين على الحركة. لاحظت الحاجة آمنة ذـ . لك، فوضعت يدها على كتفي وقالت بهدوء:
ادخلي يا بنتي… ربنا ما بكرر الوجـ . ـع مرتين.
لكنني كنتُ خائفة. خائفة من المـ . ـستشفيات. من الأسرّة البيضاء. من كلمة:
“البقاء لله.” دخل الطبيب سريعًا وأخذ الطفل من بين ذراعي. وحين ابتعد عني… شعرتُ كأن شيئًا يُنتزع من صدري بالقوة. جلستُ على الكرسي المعدني البارد وأنا أرتجف. أما مأمون، فكان يمشي ذهابًا وعودة بطريقة مجـ . ـنونة.

يمرر يده فوق رأسه كل دقيقة. وكلما فتح باب الغرفة، يرفع رأسه بفزع. لأول مرة… لم أره كرجل كسرني قديمًا. بل كرجل خائف فقط. رجل يخشى أن يفقد آخر شيء تبقى له. بعد نحو ساعة، خرج الطبيب أخيرًا. قال إن الطفل أُصيب بالتهاب حـ . ـاد بسبب ضعف التغذية، لكنه سيكون بخير إن شاء الله. شعرتُ بأن الهواء عاد إلى صدري دفعة واحدة.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى