منوعات

ارضعت

أما مأمون… فجلس فوق أقرب كرسي وأخفى وجهه بين يديه. كان يبكي. بصمـ . ـت. تلك المرة لم أشعر بالغضـ . ـب منه. ولا الكـ . ـره. فقط…
التعب. اقتربتُ منه ببطء. ثم قلت:
الحمد لله. رفع رأسه نحوي. وعيناه حمراوان من السهر والبكـ . ـاء. وقال بصوت مكسور:
كنتُ خائفًا أن أمـ . ـوتأنا أيضًا لو جرى له شيء. ساد الصمـ . ـت بيننا طويلًا. ثم جاءت الممـ . ـرضة وأعادت الطفل إليّ. وفور أن حملتُه…

هدأ. كأنه كان يعرفني فعلًا. جلستُ أضمّه إلى صدري، وبدأ يرضع بهدوء وسط ضوء الغرفة الخـ . ـافت. راقبتني الحاجة آمنة طويلًا. ثم قالت فجأة: ربنا عوّضك بيه يا مريم. ارتجف قلبي. رفعتُ رأسي نحوها بسرعة. لكنها أكملت بهدوء:
ليس لازم العوض يكون نفس الشيء الضاع… أحيانًا ربنا يرسل رحمة جديدة فقط. شعرتُ بالدمـ . ـوع تمـ . ـتلئ عيني فورًا. لأنني لأول مرة منذ مـ . ـات طه… لم أشعر أنني أمسك بالحياة وهي تهرب مني.

بل شعرتُ أنها تعود ببطء. قبل الفجر بقليل، خرجـ . ـنا من المـ . ـستشفى. كان الطفل نائمًا فوق صدري بسلام، بينما الهواء البارد يلفّ شوارع الخرطوم الهادئة. وحين وصلنا إلى البيت، فتحتُ الباب بهدوء ودخلت. لكن مأمون بقي واقفًا عند العتبة. نظرتُ إليه باستغراب. ظل صامـ . ـتًا لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوتٍ مـ . ـتعب: لم أكن أعرف أن تربية طفل يمكن أن تُتعب الإنسان هكذا. لم أُجب. كنتُ ما أزال أضمّ الطفل إلى صدري وكأنني أخشى أن يختفي إذا ابتعد عني.

تنهد مأمون ومسح وجهه بكفّه، ثم قال: عندما طلّقتكِ… ظننتُ أن المشـ . ـكلة فيكِ. ارتجف شيء داخلي. لكنه أكمل دون أن ينظر إليّ: كنتُ أريد طفلًا… وأردتُ امرأة أصغر… وصدّقتُ أن الحياة ستكون أسهل. ساد الصمـ . ـت. صمـ . ـت ثقيل ومؤلم. ثم قال بمرارة: لكن الحياة لا تعطي أحدًا كل شيء. خفضتُ عيني نحو الطفل. أما هو فبقي واقفًا مكانه كأنه يعترف بشيء تأخر كثيرًا. قال أخيرًا: أنا لا أطلب منكِ أن تسامحيني يا مريم… ولا أقول إنني كنتُ رجلًا جيدًا… لكنني تعبت.

كانت تلك أول مرة يتحدث فيها بصدق منذ سنوات. دون تبرير. ودون كلام جميل. فقط رجل مُنهك، يحمل طفلًا فقد أمه، ويبحث عن بيت لا يشعر فيه بالضياع. أما أنا… فكنتُ امرأة فقدت طفلها وزوجها، وتعبت من مواجهة الدنيا وحدها. لا حب كبير. ولا كلمـ . ـات تشبه الروايات. فقط شخصان كسـ . ـرتْهما الحياة بطرق مختلفة. رفعتُ رأسي نحوه أخيرًا. ثم قلتُ بهدوء: وأنا أيضًا تعبت يا مأمون. نظر إليّ طويلًا. ثم جلس أخيرًا على الكرسي القريب كأن التعب هزمه دفعة واحدة.

وفي تلك اللحظة… شعرتُ لأول مرة منذ شهور أن البيت لم يعد باردًا كما كان. مرت الشهور ببطء بعد ذـ . لك. لم يتغير شيء فجأة. ولم تتحول حياتنا إلى قصة مثالية. كان مأمون يأتي كل يوم تقريبًا. أحيانًا يحمل حفاضات. وأحيانًا دواء. وأحيانًا فقط يأتي لأنه لا يعرف كيف يُسكت الطفل وحده. أما أنا… فكنتُ أرضعه وأعتني به، ثم أعيده إليه آخر الليل. لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير داخل البيت. شيئًا يشبه الطمأنينة. الحاجة آمنة صارت تزورنا كثيرًا.

تُعدّ العصيدة صباحًا. وتضحك وهي تحمل الطفل وتقول: هذا الولد أعاد الروح للبيت. حتى الجارات توقفن عن النظر إليّ بشفقة كما كنّ يفعلن بعد وفـ . ـاة طه. صار في البيت صوت. حركة. حياة. وفي إحدى الأمسيات، بينما كنتُ أطوي ملابس الطفل الصغيرة، سـ . ـمعتُه يضحك للمرة الأولى. ضحـ . ـكة قصيرة وخفيفة. لكنها ملأت البيت كله. تجمّدتُ مكاني. ثم بدأتُ أبكي فورًا. ليس لأنني تذكّرتُ طه هذه المرة… بل لأنني شعرتُ أن الله لم يتركني وحدي كما ظننت.
بعد نحو عام، جاءت الحاجة آمنة إلى بيتي صباحًا.

جلست أمامي فوق الحصير، ثم قالت مباشرة دون مقدمـ . ـات: يا مريم… الولد تعلّق بكِ، وأنتِ أيضًا لم تعودي قادرة على الابتعاد عنه. خفضتُ رأسي بصمـ . ـت. فأكملت بهدوء: والناس بدأت تتكلم… دخول وخروج مأمون كل يوم لم يعد مناسبًا. كنتُ أعرف أنها محقّة. في الحيّ، الكلام ينتشر أسرع من النـ . ـار. قالت الحاجة آمنة: مأمون يريد أن يعيدكِ إلى ذمّته إن وافقتِ. رفعتُ عيني إليها فورًا. لكنها لم تبتسـ . ـم، ولم تحاول تزيين الأمر.

قالت بواقعية المرأة السودانية التي عاشت كثيرًا: لا أقول إنه ملاك… ولا أنتِ ما زلتِ تلك البنت الصغيرة… لكن أحيانًا الإنسان يحتاج بيتًا يستره فقط. ساد الصمـ . ـت طويلًا. ثم نظرتُ نحو الطفل الذي كان يلعب قرب الباب. كان يضحك وحده ويحاول الوقوف مـ . ـتعلّقًا بالكرسي. وشعرتُ بشيء دافئ يتحرك داخلي ببطء. ليس الحب. بل الأمان. ذـ . لك الشيء الذي افتقدته طويلًا. تمّ عقد القِران عصر يوم جمعة بسيط داخل البيت. لا فستان أبيض.

ولا زغاريد كثيرة. فقط شيخ الحي، والحاجة آمنة، واثنان من الجيران. وكان الطفل جالسًا فوق ساقي طوال الوقت يعبث بطرف ثوبي. وحين انتهى الشيخ من كتابة العقد، نظرتُ نحو مأمون. لم يكن بيننا ذـ . لك الحب المجـ . ـنون الذي تتحدث عنه النساء. لكن كان هناك شيء أكثر هدوءًا. احترام. ونسخة مـ . ـتعبة من الرحمة. شيء يشبه النجاة بعد غرق طويل. وفي تلك الليلة، بعدما غادر الجميع، وبقي البيت هادئًا أخيرًا… كان الطفل نائمًا بيننا بسلام.

نظرتُ إليه طويلًا. ثم أغمضتُ عيني للمرة الأولى منذ وفـ . ـاة طه… دون خـ . ـوف.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى