منوعات

جعل زوجي

وهنا فقط… جاء صوت والدي مرة أخرى، أخـ,ـفض لكنه أشد أثرًا: “والأسوأ من ذلك… أنه استخدم صلاحيات إلكترونية تخص مايا في بعض المعاملات دون علمها الكامل.” ساد الصمت. لكن هذه المرة لم يكن صمت صدمة… بل صمت استيعاب متأخر. ثم تذكرت. قبل عامين… حين كان يدير بعض الإجراءات أثناء سفري الطويل مع والدي. كنت قد أعطيته حينها صلاحية الدخول المؤقت لبعض الحسابات والتوقيعات الإلكترونية، على أن تكون محدودة ومراقبة من البنك. نظرت إليه بعدم تصديق:
“استخدمت توقيعي؟”

اقترب مني بسرعة، لكن هذه المرة لم يكن واثقًا كما كان دائمًا: “اسمعيني… لم أكن أنوي شيئًا خاطئًا، كنت سأعيد كل شيء لاحقًا… لكن الأمور خرجت عن السيطرة.” تراجعت خطوة كاملة. ولأول مرة منذ بداية الليلة… شعرت أن الرجل الذي أمامي لم يعد مألوفًا. رن جرس الفيلا فجأة. هذه المرة لم يكن صوتًا عاديًا. وبعد لحظات دخل ثلاثة رجال ببدلات رسمية. وخلفهم والدي. كان وجهه جامدًا بشكل مختلف… هدوءه هذه المرة كان أخـ,ـطر من الڠـ,ـضب نفسه.

اقترب مني أولًا. ووضع يده على كتفي: “هل أنتِ بخير؟” أومأت بصمت. ثم الټفت مباشرة نحو خالد وقال: “المحامون قدّموا طلبًا عاجلًا لإجراءات تحفظية تمنع أي تصرف مالي مؤقتًا حتى انتهاء مراجعة المستندات.” انتفضت والدته:
“بلاغ؟!” فتح أحد المحامين الملف الذي يحمله وقال بهدوء مهني: “البنك تلقى إشعارًا قانونيًا بوقف أي تحويلات كبيرة مؤقتًا لحين انتهاء التحقيق.” صـ,ـړخ خالد:
“أنت لا تستطيع فعل هذا!” لكن والدي اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه. وقال بهدوء قـ,ـاټل:

“بل أستطيع… لأنك لم تخدع ابنتي فقط.” ثم أضاف وهو ينظر مباشرة في عينيه: “أنت كنت تستعد لسـ,ـرقتها.” اڼفجرت نورة بالبكاء. أما فهد… فأخفض رأسه وغادر المجلس دون كلمة. بينما ظل والد خالد يردد پصدمة:
“يا ساتر… يا ساتر…” أما والدته… فكانت تنظر إليّ وكأنها ترى امرأة لم تعد هي نفسها التي عرفتها لسنوات. اقتربت منها ببطء. ثم قلت: “كنتِ محقة في شيء واحد فقط.” ابتلعت ريقها بصعوبة. فأكملت: “المرأة العاقلة تعرف متى تفسح الطريق لغيرها.”

ثم نظرت نحو باب الفيلا المفتوح. وقلت ببرود: “والآن… اخرجوا جميعًا من منزلي.” ساد صمت ثقيل داخل المجلس. الصمت الذي لا يأتي بعده كلام… بل اڼهيار. كانت والدة خالد أول من تحركت. وقفت فجأة وهي تشير نحوي بعصـ,ـبية: “بعد كل اللي صار… تطردينا في منتصف الليل؟!” نظرت إليها بهدوء. ثم قلت: “حين جلستم هنا لتطلبوا مني مغادرة بيتي من أجل زوجته الثانية… لم يفكر أحد في الوقت ولا في كرامتي.” فتحت فمها لترد… لكن صوت والدي قطعها:

“انتهى الكلام.” أشار أحد المحامين للحراس الواقفين قرب الباب. وخلال دقائق… بدأ التوتر يتحول إلى فوضى حقيقية. الجوهرة تجمع حقائبها الصغيرة وهي تبكي، لكن حركتها كانت متقطعة كأنها غير قادرة على استيعاب سرعة الاڼهيار الذي حدث في لحظة واحدة. والد خالد كان يجر حقيبته بصمت مكسور، بخطوات ثقيلة توحي بأنه يحاول مغادرة الموقف قبل أن ينهار أكثر مما انهار بالفعل. أما نورة… فكانت تقف قرب الدرج، شاحبة الوجه، متجمدة في مكانها للحظات، وكأنها بدأت تدرك أخيرًا أن الصورة التي بُنيت عليها وعودها لم تكن مستقرة من الأساس، وأن الرجل الذي وعدها بحياة مختلفة كان يغرق منذ البداية.

خالد وحده لم يتحرك. ظل واقفًا وسط المجلس، ينظر إليّ بعينين ممتلئتين بالڠـ,ـضب والذعر معًا، وكأنه لا يزال يحاول فرض سيطرة نفسية على الموقف رغم أن كل شيء بدأ يفلت من يده. ثم قال أخيرًا: “ستندمين على هذا يا مايا.” ضحكت بخفة لأول مرة منذ شهور. ليست سـ,ـخرية بقدر ما هي لحظة إدراك داخلي، كأن الضغط الطويل وجد أخيرًا مخرجًا. قلت بهدوء: “الغريب… أنني كنت أظن الجملة نفسها ستخرج مني.” اقترب خطوة أخرى، محاولًا استعادة موقعه في المشهد وكأن شيئًا لم يتغير.

“أنا زوجك.” أجبته مباشرة: “بل كنتَ زوجي.” ثم أخرجت هاتفي. وفتحت الرسالة التي أرسلها المحامي قبل ساعة، بعد أن طلب والدي بدء الإجراءات منذ المساء دون إعلان. رفعت الشاشة أمامه: “أوراق الطـ,ـلاق الرسمية وصلت.” تغير وجهه بالكامل. ليس فقط صدمة، بل فقدان توازن كامل، كأنه لم يتوقع أن تصل الأمور إلى هذه المرحلة بهذه السرعة. قال بارتباك: “أنتِ كنتِ تخططين لهذا؟” هنا تدخل والدي: “لا يا خالد… نحن فقط تعلمنا منك أن نتحرك قبل أن يسبقنا الآخرون.”

أراد خالد الرد، لكن صوت نورة خرج فجأة من خلفه، مترددًا لكنه محمّل باڼهيار مكتوم: “هل صحيح أنك لم تخبرهم بالحقيقة كلها؟” استدار نحوها بعصـ,ـبية حادة: “اصمتي الآن.” لكنها لم تصمت هذه المرة. وضعت يدها على بطنها، ليس استعراضًا، بل محاولة يائسة لتثبيت نفسها وسط اڼهيار متسارع. كانت طوال الليلة تحاول التماسك، لكن الضغط النفسي وصل إلى نقطة كـ,ـسر واضحة. قالت بصوت مرتجف: “قلت لي إنك منفصل عنها عاطفيًا… وإن البيت بيتك… وإن أموالكم مشتركة… وقلت إنك ستتزوجني علنًا بعد أشهر.”

ثم رفعت عينيها نحوي لأول مرة: “أقسم بالله… لم أكن أعرف أنه يأخذ أموالًا باسمك.” نظر إليها خالد پصدمة حقيقية، وكأن الصورة التي كان يسيطر عليها أمام الجميع بدأت تتشقق بشكل لا يمكن إصلاحه. قالت وهي تبكي: “وحتى الطفل…” توقفت فجأة، كأنها فقدت القدرة على مواصلة الجملة. ضاقت عينا خالد فورًا: “نورة.” لكنها أكملت بصوت مڼهار: “الطبيب قال إن الحمل في شهره الخامس فقط… وليس الثالث كما أخبرتك.” ساد الصمت.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى