
وأغرب حاجة؟
إن شعري رجع يطول تاني.
لكن عمري ما طولته زي الأول.
فضلت حالقاه.
لأن كل مرة أبص لنفسي في المراية، أفتكر إن أكتر يوم حاولوا فيه يذـ . لوني كان هو نفس اليوم اللي اتولدت فيه من جديد.
بعد الحكم على طارق بثلاث شهور، حياتي المفروض كانت تهدى لكن الغريب إن الهدوء أوقات بيبقى أخـ . ـطر من العواصف. لأنك فجأة تلاقي نفسك لوحدك مع أفكارك، مع الذكريات، مع الأسئلة اللي كنت بتجري منها طول الوقت.
كنت كل يوم أصحى الساعة خمسة الفجر من غير منبه.
نفس المعاد اللي كنت بصحى فيه أيام الجواز عشان أحضرله هدومه وفطاره قبل الشغل. أقف في المطبخ وأفتكر إني مبقتش مضطرة أعمل كدة وبرضه قلبي يوجـ . ـعني.
مش حب. لكن صدمة.
صدمة إن الشخص اللي كنت مستعدة أدي له عمري كله كان مستعد يدمرني عشان منصب.
الشركة بقت تعاملني كأيقونة. الناس أول ما يشوفوني في الممرات يبتسـ . ـموا. الموظفات الصغيرين بقوا يبصولي بإعجاب. فيه بنت جديدة في قسـ . ـم التسويق وقفتني يوم وقالتلي وهي بتعيط أنا قصيت شعري بعد ما شفتك لأول مرة أحس إني جميلة من غير ما أستخبى ورا شـ . ـكلي.
حـ . ـضنتها، لكن أول ما دخلت مكتبي بكيت.
لأن الناس كانت شايفة القوة اللي ظهرت على المـ . ـسرح. لكن محدش شاف اللي بيحصل بالليل.
كنت لسه بخـ . ـاف.
أي إزازة شامبو ألـ . ـمـ . ـسها، أشمها الأول. أي رسالة تيجيلي مـ . ـتأخر، قلبي يدق بسرعة. أي راجل يقولي أنا فخور بيكي أحس إن وراها سـ . ـكينة مستخبية.
وفي وسط كل ده، بدأت الصحافة تنهش في حياتي.
برامج تستضيف خبراء يتكلموا عني. ناس تقول أكيد كانت عارفة بيسـ . ـرق وساكتة. دي استغلت الموضوع عشان تبقى ترند. ست ذكية لعبت صح.
كنت بقفل التلفزيون، لكن الكلام كان بيوصلني.
وفي ليلة مطر، رجعت البيت لقيت ظرف أبيض تحت الباب.
من غير اسـ . ـم.
فتحته واتجمدت.
صورة ليا وأنا نايمة في بيتي.
الصورة جديدة.
إيدي بدأت ترتعش. قلبي دق بعنـ . ـف. وبسرعة قلبت الظرف كله لقيت ورقة صغيرة مكتوب فيها فاكرة إن كل حاجة خلصت؟
اتصلت بالشرطة فورًا.
لكن الصدمة الحقيقية جت بعدها بساعتين.
الضابط قالي إن الكاميرات جابت شخص لابس كاب أسود دخل العمارة لكن وشه ما بانش.
وفي اللحظة دي، لأول مرة بعد شهور، خفت بجد.
مش على نفسي.
لكن لأن طارق كان لسه عنده ناس برا.
بدأت أعيش وسط حراسة. الشركة أصرت تخصصلي أمن خاص. وأنا بقيت أبص ورايا في أي مكان أروحه. النوم اختفى. بقيت أقعد بالساعات في الصالة والأنوار كلها مفتوحة.
وفي يوم، وأنا في اجتماع مجلس الإدارة، السكرتيرة دخلت مرتبكة وقالت فيه واحدة مصممة تقابلك.
قولتلها مين؟
قالت أخت طارق.
سكتت القاعة كلها.
اسـ . ـمها سارة. طول عمرها بعيدة عننا. هادية ومحترمة، ومكنتش بشوفها كتير. دخلت المكتب وشـ . ـكلها مرهق جدًا. أول ما شافتني عينيها دمعت.
وقالت بهدوء أنا جاية أحـ . ـذرك.
اتجمدت مكاني.
طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها وقالت طارق قبل ما يتحبس كان مخبي حاجات أكبر بكتير من اللي انكشف.
بصيتلها بعدم فهم.
قالت هو ما كانش بيسـ . ـرق لوحده.
الهواء اختفى من حواليا.
كملت وهي بتترعش فيه حد كبير جدًا في الشركة كان بيستخدمه ولما وقع، قرروا يضحوا بيه لوحده.
فتحت الفلاشة على اللابتوب.
وساعتها دمي تلج.
إيميلات من نائب رئيس الشركة بنفسه. تحويلات. اتفاقات. أوامر مباشرة.
طارق كان مجرد واجهة.
وفجأة فهمـ . ـت ليه الصورة وصلت بيتي. وليه فيه حد بيراقبني.
أنا ما كنتش دمـ .
ـرت حياة طارق بس أنا قربت من شبكة كاملة.
سارة مسكت إيدي وقالت طارق طلب مني أديكي الفلاشة لو حصل له حاجة.
بصيتلها بذهول يعني إيه حصل له حاجة؟
انهارت من العياط طارق مـ . ـات.
الدنيا لفت بيا.
قعدت على الكرسي وأنا مش مستوعبة.
قالت بصوت مكسور لقوه في زنزانته امبارح.
ما عرفتش أتكلم.
آخر مرة شفته كان بيكـ . ـرهني. آخر كلمة بينا كانت كلها نـ . ـار. وفجأة انتهى.
حتى الانتقـ. ـام لما بيخلص، بيسيب فراغ غريب.
لكن اللي خـ . ـوفني مش مـ .
ـوته اللي خـ . ـوفني هو السؤال
مين اللي كان عايزه يسكت؟
بعدها بأيام، بدأت ألاحظ حاجات أغرب. عربيه سودا واقفة تحت البيت بالساعات. مكالمـ . ـات صامـ . ـتة. إيميلات تتمسح من سيستم الشركة فجأة.
ولأول مرة، حسيت إن المنصب اللي حلمـ . ـت بيه بقى سجـ . ـن.
لكن المرة دي، ما كنتش لوحدي.
في ليلة مـ . ـتأخرة، وأنا قاعدة في المكتب، دخل عليّ آدم مدير الأمن الداخلي الجديد. راجل هادي جدًا، عينيه ثابتة، وصوته مطمن.
قال إنتي لازم تختفي شوية.
ضحكت بسخـ . ـرية أهرب يعني؟
قال بجدية لا تعيشي.
الكلمة خبطت في قلبي.
حكالي إن فيه تحويلات مالية ضخمة بدأت تتحرك بعد قضية طارق، وإن فيه ناس بتحاول تمسح أي دليل يربطهم بالقضية. وإن وجودي حر وطليقة معناه خـ . ـطر عليهم.
ولأول مرة من سنين حسيت إن فيه حد بيحاول يحميني مش يتحكم فيا.
آدم كان مختلف. ما بصليش كأني منافسة. ولا كأني شـ . ـكل. ولا كأني منصب.
كان بيبصلي كإنسانة تعبانة.
وفي يوم، سألني وأنا واقفة قدام مراية المصعد إنتي ليه مارجعتيش تطولي شعرك؟
ابتسـ . ـمـ .
ـت بخفة يمكن عشان كل ما يطول أفتكر الشخص اللي كنت عليه.
قال بهدوء يمكن الشخص الجديد أجمل.
ولأول مرة بعد سنين قلبي ما خـ . ـافش من كلمة حلوة.
لكن السلام ما بيطولش.
لأن الليلة اللي بدأت أحس فيها إني ممكن أعيش من جديد كانت نفس الليلة اللي مكتبي فيها اتحـ . ـرق بالكامل.
والنـ . ـار أكلت كل حاجة إلا ملف واحد بس.
الملف اللي عليه اسـمي.

