منوعات

جوزي و سلفتي ٢

قال لي ببرود استفز كل خلية في جسدي: “البيت الذي كتبه محمود لكِ يا ليلى.. هناك ثغرة في العقد. محمود كتبه لكِ بشرط أن تظلي (زوجة في العائلة). وبما أنكِ طلبتِ الطلاق، فالعقد يعتبر باطلاً وتعود الأملاك لورثة محمود.. أي ليوسف.” ضحكتُ بسخرية: “ويوسف هو ابنك، أليس كذلك؟ تريد أن تأخذ كل شيء.. حتى وصية أخيك التي أراد بها حمايتي منك!”

اقترب مني وهمس بفحيح: “سارة أخذت يوسف وهربت. هي تظن أنني سأتخلص منها بعد أن فضحت السر. لكنني أحتاج يوسف.. لأنه المفتاح الوحيد لكل قرش تركه محمود. ابحثي عنها يا ليلى، لأنها إذا لم تظهر.. سأهدم هذا البيت فوق رأس الجميع.” ### سر الصندوق الأسود في تلك الليلة، تسللتُ إلى بيت محمود القديم. كنتُ أملك المفاتيح ولم يغيرها أحمد بعد. كنتُ أبحث عن شيء واحد.. “الجزء المقطوع من الوصية”. كان لدي شعور بأن محمود لم يترك الحقيقة ناقصة عبثاً.

دخلتُ مكتبه، كانت الرائحة لا تزال عالقة بالمكان.. رائحة الورق والتبغ والمرض. بدأتُ أفتش في أدراج سرية كان يخبرني عنها في لحظات صفائه، حتى وجدتُ صندوقاً معدنياً صغيراً مخبأ خلف لوحة زيتية. فتحتُ الصندوق بقلب ينبض بعن,,ف. لم أجد ورقة.. بل وجدتُ **مسجلاً صوتياً قديماً**. ضغطتُ على زر التشغيل، فخرج صوت محمود، كان يلهث، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة: > *”ليلى.. إذا كنتِ تسمعين هذا، فأنا قد رحلت. أحمد يظن أنه خدعني، وسارة تظن أنها سترت عارها بي.. لكن الحقيقة أغرب مما يتخيلون. يوسف ليس ابن أحمد يا ليلى.. سارة كذبت على أحمد أيضاً لتربطه بها للأبد. يوسف هو…”*

> ### الحقيقة الصادمة توقف التسجيل للحظة، ثم أكمل بصوت باكي: *”يوسف هو ابن (جمال).. الرجل الذي -,,-ه أحمد في ح,,ادث سيارة قبل سبع سنوات وهرب من العقاب بمساعدتي. سارة كانت تحب جمال، وحين م,,ات، قررت الانتقام من أحمد بأن تجعله يربي ابن قتيله وهو يظن أنه ابنه.. أو تجعلني أنا أحمل العار. أنا لم أتزوجها ستراً، أنا تزوجتها لأحمي أخي من حقدها.. لكنني الآن سأحرركِ أنتِ.”* سقط المسجل من يدي. يوسف ليس ابناً لأي من آل المنشاوي. يوسف هو “مشروع انتقام” طويل الأمد زرعته سارة في قلب العائلة.

### المواجهة الأخيرة التفتُّ لأخرج، لكنني وجدتُ سارة واقفة عند الباب، وبيدها مسدس مصوب نحو ص,,دري. لم تكن تبكي، كانت عيناها تقدحان شرراً، وخلفها يوسف الصغير يمسك بطرف ثوبها وهو يرتجف. قالت بصوت حاد كالسكي,,ن: “سمعتِ الحقيقة إذن؟ محمود كان أذكى مما تصورت.. لكنه م,,ات وهو لا يعرف أنني كنت أعرف بأمر التسجيل. كنتُ أنتظر أن تجديه أنتِ.. لينهي أحمد نفسه بنفسه حين يعلم أنه أضاع حياته لأجل ابن الرجل الذي -,,-ه.” قلتُ لها وأنا أحاول التماسك: “أنتِ مجنونة يا سارة.. ستدمرين حياة الطفل!”

ردت بضحكة هستيرية: “هذا الطفل هو من سيأخذ أموالهم، أرضهم، وتاريخهم.. وسأكون أنا الوصية عليه. والآن يا ليلى.. أنتِ الوحيدة التي تقف في طريقي.” **تحركت سارة نحو الزناد، وفي تلك اللحظة، سُمع صوت ارتطام قوي بالباب.. كان أحمد قد وصل.** ## الجزء السابع: رقصة الم,,وت الأخيرة تجمّد الزمن في تلك اللحظة. فوهة المسدس موجهة نحو ص,,دري، وعينا سارة تلمعان بجنون لم أره من قبل، وصوت أحمد خلف الباب يحاول تحطيمه بشراسة. “افتحي يا سارة! افتحي يا ليلى! المحامي أخبرني بكل شيء.. أعرف أنكِ هنا!” صرخ أحمد، وكانت نبرة صوته مزيجاً من الرعب والغل.

سارة لم تلتفت. بقيت عيناها معلقتين بعيني، وقالت بصوت خفيض ومرعب: “أرأيتِ؟ لقد جاء القاتل ليحمي ضحيته.. أم لي-,,- ما تبقى من الحقيقة؟” ### سقوط القناع فجأة، تحطم قفل الباب واندفع أحمد إلى الداخل. توقف مكانه حين رأى المسدس. لم ينظر إليّ، بل كان ينظر إلى يوسف، الطفل الذي ظن لسنوات أنه ابنه، ثم ظن أنه عاره، والآن يكتشف أنه ابن “جمال”.. الرجل الذي دهسه بسيارته وتركه ينزف حتى الم,,وت على الطريق الصحراوي قبل سبع سنوات.

“أحمد.. هل تريد رؤية ابنك؟” قالت سارة بسخرية لاذعة، وهي تشد يوسف أمامها. “انظر إليه جيداً.. ألا تشبه عيناه عيني جمال وهي تنظر إليك في لحظاته الأخيرة؟ لقد ربيته بمالك، وأعطيته اسم عائلتك، والآن سياخذ كل ما تملك.” أحمد كان يرتجف، وجهه تحول إلى لون رمادي ميت. نطق بصعوبة: “كنتِ تعرفين؟ كل هذه السنين.. كنتِ تمثلين الحب وأنتِ تخططين لهذا؟” “أنت -,,-ت الرجل الوحيد الذي أحببته!” صرخت سارة، واهتزت يدها بالمسدس. “محمود كان يعرف، وحاول أن يشتري صمتي بالزواج وبالمال، لكنه لم يفهم أن الن,,ار لا تطفئها الأموال.”

### اللحظة الفاصلة في تلك اللحظة، لاحظتُ أن يوسف الصغير بدأ يبكي بصوت مكتوم. نظرتُ إلى الطفل، الضحية الحقيقية وسط هذه الوحوش. قلتُ بهدوء غريب، وكأن الم,,وت لم يعد يخيفني: “سارة.. يوسف لا ذنب له. إذا أطلقتِ الن,,ار الآن، ستكونين مثلك مثل أحمد.. قاتلة. هل تريدين لابن جمال أن يرى أمه وهي تُقاد إلى الإعدام؟” اهتزت يد سارة قليلاً. استغل أحمد هذه اللحظة من التردد واندفع نحوها بجنون، لا ليأخذ المسدس، بل ليخنق الحقيقة التي تمثلها سارة.

اشتبكا معاً، وسقط المسدس من يدها ليرتطم بالأرض. صرختُ في يوسف: “اجرِ يا يوسف! اخرج من هنا!” ### الحري,,ق بينما كان أحمد وسارة يتصارعان كوحشين جريحين، سقطت شمعة كانت سارة قد أشعلتها (ربما كجزء من طقوس وداعها للمكان) على الستائر الثقيلة. في ثوانٍ، اندلعت النيران في مكتب محمود المشبع بالأوراق والذكريات الجافة. “البيت يحترق!” صرختُ وأنا أحاول سحب يوسف بعيداً. لكن أحمد لم يهتم بالن,,ار. كان يطبق يديه على عنق سارة وهو يصرخ: “لن تأخذي شيئاً! لن تدمري حياتي أكثر من هذا!” وسارة كانت تخدش وجهه بأظافرها وهي تضحك ضحكات هستيرية وسط الدخان الكثيف.

### الهروب من الجحيم سحبتُ يوسف وخرجتُ من الغرفة والشرر يتطاير من حولي. ركضتُ نحو الصالة الكبيرة، ومنها إلى حديقة البيت. وقفتُ بالخارج وأنا أنفث الدخان من ص,,دري، ويوسف يرتجف بين يديّ. نظرتُ إلى البيت.. بيت “آل المنشاوي” العريق، وهو يتحول إلى كتلة من اللهب. لم يخرج أحد. لم يخرج أحمد ببطولته المزيفة، ولا سارة بانتقامها الأسود.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى