
قلت بصوت يرتجف: “كان عارف إيه؟ انطق.. يعني إيه كنتوا بتتكلموا من زمان؟” أحمد تنهد بضيق، وجلس على طرف السر,,,ير، شبك أص,,ابعه ونظر للأرض وقال: “سارة كانت خطيبتي أنا الأول يا ليلى.. قبل ما أقابلك في الجامعة بشهور. أهلي اختاروها ليا، وكنت موافق، لحد ما شفتك إنتي.. وقتها فسخت الخطوبة وقلت مش عايزها. محمود هو اللي اتدخل وطلب يتجوزها عشان يلم الموضوع وما نكسرش بخاطر البنت ولا خاطر أهلي.” ضحكت بمرارة ودموعي تنهمر: “يعني إيه؟ يعني كنت بتمثل عليا؟ يعني إنت رجعت لحبك القديم؟”
رد بسرعة وكأنه يبرر لنفسه: “لا مش حب قديم.. بس سارة شالت سري وسكتت، وعاشت مع أخويا وهي عارفة إني كنت عايزك إنتي. محمود كان بيحس بدا، وكان دايمًا يقولي لو جرالي حاجة يا أحمد، سارة والعيال في رقبتك.. ما تخليش سارة تخرج برا البيت ده.” قلت له بصرخة وجع: “الرقابة مش معناها السر,,,ير يا أحمد! الرقابة مش معناها تهدم بيتي وتكسر قلبي! إنت استغلت مو.ته عشان ترجع للي سبتها زمان؟” تركني وخرج من الغرفة، وفي المساء، قررت أن أواجه “سارة”. ذهبت إلى غرفتها في بيت العيلة، طرقت الباب ودخلت دون انتظار. كانت تجلس تمشط شعر ابنتها مريم.
نظرت إليّ سارة بارتباك، وقبل أن تنطق بكلمة، وضعت الموبايل أمام وجهها: “إيه اللي كنتوا بتتكلموا فيه من زمان يا سارة؟ وأحمد كان بيوعدك بإيه وأخوه لسه عايش؟” سارة بكت، بكت بح,,رقة لم أفهم سببها في البداية، ثم قالت: “والله ما كان قصدي يا ليلى.. محمود كان تعبان، محمود كان عنده مشاكل في القلب ومحدش يعرف غيري أنا وأحمد، وكان عارف إن أجله قريب. هو اللي حلف أحمد قبل الح,,ادثة بشهر إن لو حصل له حاجة، أحمد يتجوزني عشان يضمن إن العيال ورثهم ما يروحش لغريب، وعشان يضمن إني ما أرجعش بيت أهلي اللي إنتي عارفة قسوته.”
تجمدت في مكاني.. “محمود كان مريض؟” سألتها: “وهل أحمد وافق وقتها؟” خفضت سارة رأسها وقالت بكلم,,ات مزقت ما تبقى من روحي: “أحمد قال له: سارة في عيني يا أخويا، واليوم اللي هتمشي فيه، هتبقى مراتي عشان أصونها.” خرجت من غرفتها والدرج يترنح تحت قدمي. لم يكن الأمر مجرد “ظرف طارئ” أو “شفقة على أطفال”. كان هناك اتفاق سري.. كان هناك وعد تم قطعه فوق ج,,ثة لم تكن قد فارقت الحياة بعد. عدت إلى شقتي، وجدت أحمد جالساً في الصالة والأنوار مطفأة.
قلت له: “إنت كنت مستني م.وته يا أحمد؟ كنت مستني اللحظة اللي تنفذ فيها وعدك؟” نظر إليّ بعيون حمراء وقال بقسوة لم أتوقعها: “أنا عملت اللي يرضي ضميري قدام ربنا وأخويا.. وسارة وافقت، وأهلي موافقين. لو مش قادرة تتقبلي الوضع، البيت واسع يا ليلى.” البيت واسع.. الكلمة التي تقال لكل زوجة لم يعد لها مكان. في تلك اللحظة، رن جرس الباب. فتحت، وجدت المحامي الخاص بالعائلة، ومعه أوراق. نظر إليّ المحامي بأسف وقال: “يا مدام ليلى.. أحمد بيه طلب مني أجهز عقد الجواز.. وحددوا الميعاد الأسبوع الجاي.”
بصيت لأحمد بصدمة، لكن الصدمة الأكبر كانت لما المحامي كمل كلامه وقال: “وفي حاجة تانية يا أحمد بيه بخصوص الوصية اللي سابها محمود.. الورقة اللي لقيتها في مكتبه بتغير كل حاجة.” تغير كل حاجة؟ أحمد وقف فجأة، ووشه بقى لونه أصفر.. وكأن في سر تاني كان بيحاول يدفنه وظهر دلوقتي. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ساد صمت قاتل في الصالة، المحامي كان ماسك ظرف مقفول بإحكام، وعينيه كانت بتتحرك بقلق بيني وبين أحمد. أحمد اللي كان من لحظة بيطردني من حياته بدم بارد، وقع في مكانه على الكرسي وكأن حد سحب الروح منه.
أحمد قال بصوت مبحوح: “وصية؟ محمود ما سابش وصايا.. أنا مطلع على كل ورقة في مكتبه.” المحامي رد وهو بيفتح الظرف: “الورقة دي كانت عند صديق مقرب لمحمود، وأمانة إنه يسلمها لي في حالة وف,,اته بس بشرط، بعد ما تمر شهور العدة أو لو سمع إن في نية لجواز سارة من حد تاني.” خطف أحمد الورقة من إيد المحامي، وبدأ يقرأها بسرعة.. ملامحه كانت بتتحول من الصدمة للرعب. أنا مقدرتش أمسك نفسي، قربت منه وخطفت الورقة من إيده، وقريت الكلم,,ات اللي كانت مكتوبة بخط إيد محمود المهزوز:
> *”أخي أحمد.. أعلم أنك ستفي بوعدك، ولكن سأريح ضميرك من ذنب قد تظن أنك تحمله وحده. سارة ليست فقط زوجة أخي، سارة كانت الأمانة التي لم أستحقها. أنا أعلم يا أحمد أنك لم تحب ليلى كما توهمتها، بل كنت تهرب بها من حقيقة أن سارة كانت دائماً هي من سكنت قلبك. لكن ما لا تعرفه، أن يوسف ليس ابني.. يوسف هو…”* > الورقة كانت مقطوعة في الجزء ده، وكأن في حد متعمد يخفي الحقيقة كاملة، أو إن محمود مالحقش يكمل الكتابة.
بصيت لأحمد بذهول، يوسف مش ابن محمود؟ يوسف اللي عنده خمس سنين؟ يعني سارة كانت بتخون محمود؟ ولا في سر أبعد من كدة؟ صرخت في أحمد: “يعني إيه الكلام ده؟ يعني إيه يوسف مش ابنه؟ وأنت كنت عارف؟” أحمد قام وقف فجأة، وعينيه كانت مليانة غل: “أنا معرفش حاجة! محمود كان بيخرف.. أكيد التعب أثر على عقله!” لكن المحامي قاطعه ببرود: “محمود ساب مع الورقة دي ظرف تاني، فيه نتيجة تحليل DNA كان عامله في السر قبل وف,,اته بشهر واحد.. والنتيجة بتأكد إن يوسف ملوش أي صلة وراثية بمحمود.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح وسارة كانت واقفة، وشها كان أبيض زي الكفن. كانت بتنهج وكأنها كانت بتجري ورا المحامي عشان تمنعه. بصيت لها وقلت بقرف: “يوسف ابن مين يا سارة؟” سارة بصت لأحمد بنظرة فيها استنجاد، نظرة خلت قلبي يتنفض. أحمد اتوتر وبدأ يزعق في المحامي ويطرده بره البيت، لكن سارة نطقت بكلمة واحدة خلت البيت كله يتزلزل: “يوسف ابن أحمد يا ليلى.”
الكلمة وقعت عليا كأنها صاعقة. سبع سنين جواز.. سبع سنين وأنا فاكرة إني الزوجة الوحيدة، والحبيبة الوحيدة. سارة كملت وهي بتبكي بانهيار: “قبل ما تتجوز ليلى يا أحمد، في ليلة الوداع اللي قلت لي فيها إنك هتسيبني عشانها.. حصل اللي حصل. ولما عرفت إني حامل، محمود ستر عليا واتجوزني في أسبوع واحد عشان يحميك ويحمي اسم العيلة.. محمود عاش خمس سنين بيربي ابنك وهو بيمو.ت في اليوم مية مرة!” لفيت بصيت لأحمد.. كنت مستنية منه ينكر، يقول إنها كدابة. لكن أحمد كان مغطي وشه بإيديه وهو بيبكي.
أحمد خان أخوه وهو عايش.. وخاني أنا وهو بيدعي الحب.. ودلوقتي عايز يتجوزها عشان “يلم الفضيحة” مش عشان “يربي اليتامى”. وقفت وسطهم وأنا حاسة إني غريبة، حاسة بقرف من كل ركن في البيت ده. قلت له بصوت ميت: “إنت كنت بتمثل عليا دور البطل اللي حارب أهله عشاني.. وإنت في الحقيقة كنت بتهرب من جريمتك؟” أحمد حاول يقرب مني: “ليلى.. أنا كنت صغير، وكنت خايف..” قاطعته وأنا برجع لورا: “متقربش مني.. إنت وسارة ومحمود، كلكم شاركتوا في الكذبة دي. والعيال اللي بتقول مالهمش ذنب، هما الضحية الحقيقية لغدرك.”
لميت هدومي في شنطة واحدة، وأنا خارجة، سارة مسكت إيدي وقالت: “رايحة فين؟” بصيت لها بنظرة أخيرة وقلت لها: “رايحة أبدأ حياتي بعيد عن القذارة دي.. بس قبل ما أمشي، لازم تعرفوا إن المحامي قال إن في جزء تاني من الوصية.. وصية بخصوص البيت ده والأملاك اللي محمود كتبها باسمي أنا.. مش باسمك يا سارة، ولا باسم أحمد.”

