
واحد من الملثمين قرب منها وبصوت زي فحيح الأفعى قال لها محمود غفلنا وضيعنا كلنا.. والورق اللي خده معاه القبر لازم يرجع. في اللحظة دي، خالد السواق عمل حاجة مكنتش أتوقعها.. طلع طبنجة من جيبه وضـ,ـرب نـ,ـار على الملثمين، الصالة اتحولت لساحة حرب، وفي وسط الكركبة دي خالد زعق فيا اجري يا ست مريم! انزلي من باب المطبخ اللي بيفتح على المنور.. اجري هاتي ابنك!
محسيتش بنفسي غير وأنا برمي جسمي في ممر المطبخ الضيق، ونزلت السلم الخلفي والنهجان بياكل صدري.
الشارع كان مقلوب، وناس بتتفرج من البلكونات بذهول، جريت وسط الشوارع الجانبية في المعادي كأني مجنونة لحد ما وقفت تاكسي وأنا بهدومي المبهدلة على فيصل بسرعة يا اسطي.. الضعف وأكتر بس طير!
طول الطريق كنت
ببص في شهادة الميلاد، ياسين.. الاسم كان بيتردد في ودني زي اللحن القديم. وصلت العنوان اللي في الورقة، بيت قديم في حارة مستخبية.. طلعت السلم وأنا رجلي بتخبط في بعضها، خبطت على الباب بإيد بتترعش، فتحت لي ست كبيرة في السن، أول ما شافتني وشها جاب ألوان إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟
زقيت الباب ودخلت، ولقيته..
طفل قاعد بيلعب بقطر صغير في الصالة، شعره ناعم وعينيه.. عينيه كانت عينيا أنا! بص لي باستغراب وقال بصوت بريء إنتي مين؟ إنتي طنط مريم اللي بابا حكالي عنها؟ الست كانت بتبكي وبتقول محمود كان بيدفع لي عشان أربيه، وقال لي أمه ماتت وهي بتولده.. والله ما كنت أعرف إنك عايشة يا بنتي.
لسه هحضنه وأخده في قلبي، سمعت صوت فرامل عربيات برا الحارة، وصوت خطوات تقيلة طالعة السلم بسرعة.. فتحت الشنطة بسرعة وطلعت الفلاشة وبصيت للست وقولتلها ياسين لازم يمشي معايا حالاً، لو فضلوا هنا هيقتلوه. بس الصدمة كانت لما الباب اتفتح، ومكنش الملثمين.. كان محمود!
واقف قدامي، بدراعه المتجبس ووشه المتخيط، وعينه فيها نظرة شيطان.. مكنش مـ,ـات! الحـ,ـادثة كانت تمثيلية عشان يهرب من العـ,ـصابة ويصفي حساباته مع الكل ويختفي بالبوليصة والفلوس هو وابنه.. بص لي ببرود وقال كنت عارف إنك ذكية وهتوصليه هنا يا مريم.. هاتي الفلاشة بقى عشان ننهي الفيلم ده، ولا تحبي تشوفي ابنك وهو بيمـ,ـوت قدام عينك بجد المرة دي؟
محمود كان واقف وساند على الباب، وشكله يقطع الخلف، الهدوم مقطعة والدم ناشف على وشه، بس عينيه كانت بتلمع بغل مكنتش شفته فيه طول العشر سنين اللي فاتوا. كنت فاكرة إنك خلصت مني يا مريم؟
ضحك ضحكة مكتومة وجعته فمسك جنبه وكمل أنا
اللي عملت الحـ,ـادثة، وأنا اللي بلغت عن نفسي، وأنا اللي بعت العـ,ـصابة على البيت عشان أخلص من نيرمين ومن المحامي ومن قرف أمي.. وأخلص منك كمان.
ياسين كان مستخبي ورا الست اللي بتربيه وميت من الرعـ,ـب، مكنتش شايفة قدامي غيره، الأمومة اللي اتسرقت مني ست سنين انفجرت في عروقي. محمود قرب خطوة ورفع سـ,ـلاحه في وشي الفلاشة يا مريم.. الفلاشة دي عليها مفاتيح المحفظة الإلكترونية اللي فيها كل الفلوس اللي هربتها من الشركة، هاتيها وامشي من هنا بجلدك، والواد ده هيفضل معايا، ده الوحيد اللي من دمي.
بصيت للفلاشة اللي في إيدي، وبصيت لياسين، وفجأة ضحكت.. ضحكة خلت محمود يتردد ويقف مكانه. إنت فاكر إنك أذكى مني يا محمود؟ قولتله وأنا بقرب منه بكل ثبات، إنت نسيت إن مريم اللي كانت بتدير لك حساباتك وبتظبط لك ورقك هي هي مريم اللي واقفة قدامك دلوقتي.
فتحت الموبايل بتاعي وضغطت على زرار واحد، وفجأة صوت إنذار عربيات البوليس ملى الحارة كلها. محمود وشه جاب ألوان عملتي إيه يا فاجرة؟ قولتله ببرود أنا مبعتش البوليس على البيت هناك، أنا كنت باعتة لوكيشن الموبايل بتاعك للنيابة وللعـ,ـصابة كمان.. الكل دلوقتي عارف إنك حي، والكل جاي ياخد حقه منك.
محمود اتهز والسـ,ـلاح بدأ يترعش في إيده، وفي اللحظة دي الست اللي مربية ياسين زقته ناحيتي وصـ,ـرخت اجري يا مريم!.. خدت ياسين في حـ,ـضني وجريت على الأوضة اللي جوه وقفلنا علينا، وسمعت صوت ضـ,ـرب نـ,ـار متبادل برا، وصويت محمود وهو بيشتم الكل.
الرصاص كان بيخرم باب الأوضة، والبوليس كان بيقتحم المكان، وياسين كان بيترعش في حـ,ـضني ويقول أنا خايف يا ماما.. الكلمة نزلت على قلبي بردت ناره.
بعد ساعة من الرعـ,ـب، الدنيا هديت.. فتحت
الباب لقيت الصالة غرقانة دم، ومحمود متكلبش وهو بينزف، والعـ,ـصابة اللي كانت بتطارده وقعت في إيد البوليس.
الضابط بص لي وقال لي إنتي بطلة يا مدام مريم، الورق اللي بعتيه للمدعي العام كشف شبكة غسيل أموال كانت هتخرب بيوت كتير.
خرجت من البيت وأنا ماسكة إيد ياسين، الشمس كانت بتبدأ تطلع، ونورها بيغسل شقى السنين. بصيت لمحمود وهو بيترمي في البوكس، قولتله كلمة واحدة إنت قولت عليا مملة وبايخة.. بس المملة دي هي اللي قفلت حسابك للأبد.
ركبت التاكسي ومعايا ياسين، وفتحت الموبايل، لقيت رسالة من رقم مجهول فاكرة إن الحكاية خلصت هنا؟ بصي في جيب الشنطة اللي معاكي يا مريم.
مديت إيدي في الشنطة السوداء، وطلعت ورقة صغيرة مطوية، فتحتها ولقيت صورة ليا وأنا نايمة في بيتي من يومين، ومكتوب وراها بخط غريب مكنتش شفته قبل كده محمود كان مجرد وسيط.. الكبار لسه مظهرتش وشوشهم، وياسين مش مجرد ابن.. ياسين هو المفتاح اللي إحنا بندور عليه.
بصيت لياسين اللي كان نايم على كتفي، وحسيت برعشة برد في عز الحر.. اللعبة مخلصتش، دي لسه بتبدأ!
بصيت للصورة اللي في إيدي ورجلي بدأت تخبط في بعضها، مين اللي كان بيصورني في بيتي وأنا نايمة؟ ومين الكبار دول اللي محمود كان شغال معاهم؟
بصيت لياسين وهو نايم في حـ,ـضني ببراءة، وحسيت إن قلبي هيقف من الخوف عليه، الولد ده طلع وراه سر أكبر من مجرد ابن مخطوف.
موبايلي رن فجأة، رقم غريب.. رديت بصوت مرعوش ألو؟، جالي صوت ست هادي وبارد زي التلج مريم.. بلاش تروحي على أي مكان تعرفيه، ولا بيتك ولا بيت حد من قرايبك، محمود كان أصغر حلقة في السلسلة، والفلاشة اللي معاكي دي عليها أكواد حسابات مش ملك محمود،
دي ملك ناس مابيرحموش.
سألتها بذهول إنتي مين؟
وعايزة إيه من ابني؟، الست ردت بضحكة قصيرة أنا اللي كنت ببعت لك الرسايل اللي أنقذت حياتك، وياسين مش مجرد طفل يا مريم.. محمود قبل ما يتسـ,ـجن كان زرع في لعبة بيحبها ياسين شريحة عليها بيانات تدمر شركات دولية، هما مش عايزين ياسين، هما عايزين اللعبة اللي في إيده.
بصيت لياسين، لقيته ماسك في إيده القطر الصغير اللي كان بيلعب بيه في بيت الست اللي ربته.. القطر اللي محمود صمم إنه ياخده معاه وهو هربان. مسكت القطر وبدأت أتفحصه بجنون، وفعلاً لقيت جزء صغير في القطر بيتفك، وجواه شريحة ميكرو مش باينة للعين المجردة.
في اللحظة دي، سواق التاكسي بص لي في المراية، ولقيت نظرة عينيه اتغيرت تماماً، مكنش سواق عادي، ملامحه كانت حادة وفيه سماعة صغيرة في ودنه. فجأة، كـ,ـسر بالتاكسي ودخل في طريق صحراوي مقطوع.. صرخت فيه إنت رايح فين؟ وقف العربية حالاً!
السواق مردش، وطلع طبنجة حطها على الكرسي جنبه وقال ببرود هاتي القطر يا مدام مريم، وخلينا نوصل بسلام.. إحنا مش عايزين نأذي الواد، إحنا عايزين اللي معاه وبس.
ياسين صحي من النوم مفزوع وبدأ يعيط، وأنا كنت محبوسة في حديد التاكسي والسرعة بتزيد..
مكنش قدامي غير حل واحد، رميت نفسي بجسمي على السواق وحاولت أخطف منه الدريكسيون، العربية بدأت تتطوح يمين وشمال على الطريق، وفجأة ظهرت عربيتين سود من العدم وبدأوا يزنقوا على التاكسي ويضـ,ـربوا نـ,ـار على الكاوتش.
التاكسي اتقلب بينا كذا قلبة، والدنيا اسودت في عيني.. صحيت وأنا راسي بتنزف، والتاكسي مقلوب على جنبه، بصيت جنبي لقيت ياسين بيتحرك ببطء وبينادي عليا بصوت ضعيف. حاولت أخرج من الإزاز
المكسور، ولقيت جزمة سوداء بتلمع وقفت قدام وشي مباشرة.
رفعت راسي لقيت ست شيك جداً، لابسة نضارة سوداء، وماسكة في إيدها سيجارة.. نزلت لمستوايا وقالت بابتسامة مرعبة نورتي يا مريم..
كان لازم الحادثة تتم بشكل درامي عشان الكل يفتكر إنك مـ,ـوتي إنتي وابنك في قلب التاكسي.. دلوقتي بقى، هاتي الأمانة، وتعالي ندردش عن مستقبلك الجديد معانا.
بصيت لها وقولت بصوت متقطع مش هتاخدي حاجة.. الشريحة دي نهايتكم، الست ضحكت وقالت الشريحة دي هي اللي هتخليكي ملكة، أو تخليكي جثة مجهولة.. الاختيار ليكي.
وفجأة، وقبل ما تنطق بكلمة تانية، انفجار ضخم حصل في العربية اللي واقفة وراهم، وظهرت هليكوبتر فوقينا في السما، وصوت مكبر صوت بيقول القوات الخاصة.. ارمي السـ,ـلاح فوراً!.. الست وشها اتخطف، وبصت لي بغل وقالت اللعبة وسعت قوي يا مريم.. وإنتي بقيتي في نص المدفع.
وسط الدخان والضـ,ـرب، لقيت إيد بتمسكني وبتسحبني بقوة، بصيت لقيت خالد السواق بتاع محمود! كان عايش ومتبهدل، وقال لي بلهفة بسرعة يا مريم! الطيارة دي مش تبع الحكومة.. دي تبع المنافسين! اجري معايا لو عايزة تعيشي!
وقفت على رجلي بالعافية وشلت ياسين، وبقيت بين نارين.. نار الست وعـ,ـصابتها، ونار خالد والجهة اللي باعتة الطيارة.. وفي اللحظة دي، ياسين همس في ودني بكلمة واحدة خلت دم يحن في عروقي ماما.. بابا محمود كان قايل لي لو شفتي عمو خالد، قولي له السر في رقم ٧.
بصيت لخالد، لقيت ملامح وشه اتغيرت تماماً وبقى يترعش..
وعرفت إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد فلوس أو خـ,ـيانة، دي مؤامرة بتمس أمن بلد كاملة، وأنا وياسين بقينا الهدف رقم واحد في العالم كله!
خالد أول ما سمع جملة السر

