
اقترب محمود من سمر، ومد إيده لمس جبهتها اللي بدأت تورم فعلاً، ملامح وجهه اتغيرت من الغـ,ـضب للحيرة، بص لأمه وقال بصوت هادي ومرعـ,ـب نشابة يا أمي؟ تضـ,ـربيها بالنشابة وأنا موجود في البيت؟
ردت روحية بحدة وأنت كنت فين يا نبي الحرس؟ ما أنت حاطط البتاع ده على ودانك وعامل زي الأطرش في الزفة، لولا إني أدبتها كانت ركبتك ودلدلت رجليها، ارميها يا محمود.. ارميها وريح قلبي منها دي مسمومة!
سمر ضحكت بمرارة وهي بتمسح دمها بطرف كمها، وقالت بلهجة مصرية قاطعة يرميني فين يا حاج روحية؟
ده بيت سمر اللي شالتك شهور وأنتِ عاملة فيها مكسورة، ده البيت اللي كنتِ بتاكلي وتشربي فيه من إيدي وأنا ببتسم في وشك، محمود مش هيرميني، محمود هيرمي السلبية اللي كان عايش فيها، يا إما يرمي رجولته لو وافق إن مراته تتهان وتتضـ,ـرب تحت سقف بيته وهو برنس ورا الباب.
التفتت لمحمود وكملت بقوة الفيشة اللي شديتها دي يا محمود كانت فيشة الصبر اللي خلص، لو شغلك أهم من كرامتي، يبقى مبروك عليك الشغل ومبروك عليك الست الوالدة، والشنطة اللي فوق الدولاب أولى بيا من القعدة دي.
ساد صمت قاتل، محمود بص للفيشة الملقاة على الأرض، وبص لأمه اللي كانت مستنية
منه علقة لمراته تبرد نارها، وفجأة وطى على الأرض، مسك النشابة الخشبية وكسرها بنترة واحدة من إيده وهو بيبص لأمه وقال النشابة دي كانت عشان العجين يا أمي، مش عشان تكسري بيها كرامة مراتي.. والزبالة اللي سمر نسيتها أنا اللي هخرجها دلوقتي، بس وأنا راجع، مش عايز ألاقي حد في الصالة غير مراتي، اتفضلي على أوضتك يا أمي، وبكرة الصباحية السواق هيوصلك بيتك معززة مكرمة، عشان هنا فيه أصول، وأول أصل فيها إن اللي يخدمك يتشال فوق الراس، مش ينضـ,ـرب بالنشابة.
شهقت روحية وهي مش مصدقة، وقبل ما تنطق بكلمة، كان محمود بيفتح باب الشقة وبيرمي كيس الزبالة وبيرزعه وراه بقوة هزت الحيطان، وساب أمه واقفة في صدمتها، وسمر واقفة سانده على الحيطة، بتعيط بس المرة دي وجعها كان فيه ريحة نصر.
دخل محمود المطبخ ورجع ومعاه قطنة مبللة ومطهر، متجاهلاً نظرات أمه اللي كانت واقفة زي تمثال الملح في نص الصالة، مبرقة بذهول من كسر النشابة اللي كانت بتعتبرها صولجان قوتها. سحب سمر من إيدها بهدوء وقعدها على الكرسي، وبدأ يطهر الجرح وهو ساكت تماماً، ملامحه كانت جامدة زي الحجر، بس إيده كانت بتترعش وهي بتلمس وشها.
روحية لما لقت إن التمثيلية قلبت بجد، وإن ابنها اللي كان طوع أمرها بدأ يشب عن الطوق، بدأت نبرة صوتها تتغير من القسوة للعكننة والولولة بقى كدة يا محمود؟ بتكسر بخاطر أمك عشان خاطر واحدة لسه جاية من بره؟ بتطردني من بيتك عشان شوية خدوش؟ ده أنا اللي ربيتك، أنا اللي سهرت، تبيعني عشان دي؟
محمود مرفعش عينه من على جرح سمر، ورد بصوت واطي بس مسموع ومسموم بالوجع أنا مابعتكيش يا أمي، أنتِ اللي
اشتريتي الوجع لبيتي. سمر شالتك في مرضك شيلة مفيش بنت بتشيلها لأمها، وأنتِ رديتي الجميل بضـ,ـرب ونشابة؟
أنتِ عارفة يعني إيه مراتي تصرخ وأنا موجود ومسمعهاش؟ أنتِ عارفة إنك خلتيني أبان قدام نفسي ناقص؟
سمر كانت بتبص له وعيونها بتلمع بنظرة أول مرة تشوفها، نظرة الراجل اللي فاق من غيبوبة الاجتماعات والمؤتمرات ولقى إن مملكته الحقيقية كانت بتتهد. رفعت إيدها ولمست إيد محمود وقالت بصوت واهن خلاص يا محمود، حصل خير.
هنا روحية اتجننت أكتر، وصوتها علي خير إيه يا مقصوفة الرقبة؟ أنتِ لسه هتتمسكني؟ أهي دي بقى الحية اللي لفت على عقلك يا محمود، دي اللي خلتك ترفع صوتك على أمك! يا شماتة الجيران فيا، يا فضيحتي في العيلة، ابني بيطردني عشان كيس زبـ,ـالة!
محمود قام وقف وطول قامته وبص لأمه نظرة أخيرة خلتها تسكت غـ,ـصب عنها محدش هينطق بكلمة، والبيت ده مش هيطلع منه سر، وأنتِ يا أمي فوق راسي، بس في بيتك. بكرة الصبح شنطتك هتكون جاهزة، وهتروحي هناك معززة مكرمة، وكل أسبوع هجيلك أبـ,ـوس إيدك ورجلك، بس هنا.. هنا سمر هي صاحبة البيت، واللي يمسها يمسني.
التفت لسمر وقال لها بصوت فيه حنان مفاجئ قومي يا سمر.. ادخلي ارتاحي، والكهرباء والاجتماع والصفقة وكل ده يغور، المهم إنك قفلتي الفيشة اللي كانت عازلاني عنك.
سمر قامت، ومشت ببطء وهي سانده على كتفه، وقبل ما تدخل أوضتها، لفت وبصت لروحية اللي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بقهره، بس المرة دي سمر مكنش في عينها شماتة، كان في عينها شفق على ست ضيعت حب كنتها وبنفسها وبإيدها.
محمود دخل المكتب، وسمر دخلت أوضتها، والبيت رجع له السكون تاني، بس كان سكون مختلف..
سكون بعد عاصفة نظفت كل الرواسب اللي كانت مستخبية ورا باب المكتب وسماعات العزل. أما الفيشة اللي كانت سبب الحكاية، ففضلت مكانها، شاهدة على اللحظة اللي سمر قررت فيها إنها مش هتكون مجرد خادمة في بيت هي أصلاً صاحبته.
مرت ليلة كانت الأثقل في تاريخ البيت، صمت يسكن الزوايا، لا يقطعه إلا صوت دقات الساعة وتنهيدات روحية المكتومة وهي بتلم هدومها في الشنطة ببطء، وكأنها بتسحب روحها معاها. كانت بتتحرك في الصالة زي الخيال، بتبص لكل ركن بغل وحسرة، وعينها جت على مكان النشابة المكسورة اللي محمود رماها في الزباـ,ـلة.. كانت القطعة الخشبية دي بالنسبة لها هي هيبتها اللي انكسرت مع أول لا نطقها ابنها.
في أوضة النوم، كان محمود قاعد على طرف السرير، دافن راسه بين إيديه، وسمر نايمة بضهرها، فاتحة عينها في الضلمة، الجرح اللي في راسها كان بيوجعها، بس الوجع اللي في قلبها بدأ يهدأ لأول مرة من شهور. حست بحركة محمود وهو بيقرب منها، همس بصوت شرخ فيه التعب سمر.. أنتِ لسه صاحية؟
سمر مردتش، بس نفسها كان مسموع. كمل محمود بأسف حقيقي أنا مكنتش متخيل إن الأمور وصلت للدرجة دي.. كنت فاكر إن وجود أمي معاكِ هيونسك، مكنتش أعرف إنها كانت بتكسر فيكِ وأنا عامل لنفسي عزل وصومعة جوه. أنا آسف يا سمر..
آسف إني مسمعتش صرختك إلا لما الدنيا اسودت في وشي.
لفت سمر وبصت له، وبضوء السهاري الخافت شافت دموع في عينه، قالت بهدوء الوجع مش في الخبطة يا محمود، الوجع إنك كنت موجود ومش موجود. الفيشة اللي شدتها دي مكنتش عشان الاجتماع يقطع، دي كانت استغاثة غريق بيحاول يشد اللي بيحبه معاه لبر الأمان
قبل ما يغرقوا سوا. أمك يا محمود مش وحشة، بس هي عايزة تمتلك مش تعيش، وكانت شايفة فيا العبدة اللي هتخدمها، مش الست اللي بتصون ابنها.
طلع الصبح والجو كان مشحون بريحة القهوة المرة. محمود شال شنطة أمه وخرجها قدام الباب.
روحية كانت لابسة عبايتها السوداء وطرحتها، واقفة بصلابة مصطنعة، بصت لسمر بصه أخيرة مليانة وعيد، وقالت بمرارة بكرة يدور الزمن يا ست سمر، واللي عملتيه فيا هيترد لك، والابن اللي طاوع مراته على أمه، مسيره يرجع لي ندمان.
محمود مسك إيد أمه وباسها وقال بجمود هجيلك يوم الجمعة يا أمي، والبيت بيتك في أي وقت، بس ك ضيفة فوق الراس، مش حاكمة بأمرها.
قفل محمود الباب ورا أمه، والتفت لسمر اللي كانت واقفة في الصالة، البيت فجأة بقى واسع، وهادي بشكل يخوف ويريّح في نفس الوقت.
محمود قرب من الفيشة اللي لسه في مكانها، بص لها وابتسم بوجع، وبعدين مد إيده وركبها تاني في المشترك.
سمر استغربت وقالت له بتركبها ليه؟ مش خايف تعزلك عني تاني؟
محمود بص لها وهو بيحضن وشها بإيديه الاتنين ركبتها عشان أقولك إن السيطرة دلوقتي فعلاً بقت في إيدك أنتِ.. أنا مش هلبس السماعات دي تاني طول ما أنتِ بره المكتب، والبيت ده مش هيتسد بابه علينا ب عزل تانى.. كيس الزبـ,ـالة اللي كان السبب، خلانا نطلع الزبـ,ـالة اللي كانت محبـ,ـوسة في قلوبنا يا سمر.
ضحكت سمر بدموع، وفي اللحظة دي حست إن النشابة اللي انكسرت، كانت بتعلن ولادة حياة جديدة، حياة مفيهاش برنس ورا الباب، ولا جارية في الصالة، فيها اتنين، بيشدوا فيشة الوجع مع بعض، ويفتحوا نور السكن والمودة.
بعد أسبوع، البيت هدي تماماً، بس
الهدوء المرة دي كان ليه طعم مختلف، مش صمت الخوف ولا صمت العزل، كان هدوء الترميم. سمر كانت واقفة في المطبخ بتعمل غدا، والحركة لسه تقيلة شوية بسبب أثر الخبطة اللي ساب علامة بسيطة عند منبت شعرها، علامة كل ما بتشوفها في المراية بتحس بوجع في كرامتها قبل جسمها.
دخل محمود المطبخ، كان قالع قميص الشغل وماسك في إيده كيس فاكهة، حطه على الرخامة وقرب منها، لفت سمر وسألته بهدوء كلمتها؟
محمود اتنهد وقعد على الكرسي كلمتها.. لسه قافلة السكة في وشي بعد ما قالت لي إن البيت وحش من غيري وإنك سحرتيلي عشان أقلب عليها. لسه مش قادرة تستوعب إن اللي حصل كان رد فعل، مش مؤامرة.

