
بعد مايا ما قفلت الباب على الرسالة ومسحتها من غير ما تديها حتى ثانية اهتمام، كانت فاكرة إن النهاية بقت واضحة وإن كل اللي فات اتحط في مكانه الصحيح واتقفل عليه، لكنها ماكانتش واخدة بالها إن بعض القصص لما بتتحط في المحكمة مش معناها إنها انتهت، أحيانًا بتتحول لشكل تاني من الصراع، صراع هادي من برّه لكنه مُرهق من جوّه، في الفترة اللي بعدها بدأت حياتها ترجع تمشي بشكل شبه طبيعي، شغلها في شـ .
ـركة استشارات مالية رجع ياخد مجراه، واسمها بقى بيتقال بثقة أكتر بعد ما القضية خلصت وسمعتها اتبرأت رسميًا من أي مسؤولية، لكن في نفس الوقت كانت بتلاحظ حاجات صغـ . ـيـرة غريبة، مكالمـ . ـات بتتقفل أول ما ترد، عربيات بتقف قدام بيتها ثواني وتمشي، وإيميلات توصيات وشغل مش واضحة مصدرها بتوصلها بشكل مبالغ فيه، لحد ما في يوم وهي خارجة من شغلها، لقت جاسر واقف قدام المبنى، شكله مختلف، مش نفس الشخص اللي كان بيصـ .
ـرخ في التليفون ولا اللي كان ساكت في القاعة، كان أهدى، أضعف، كأن اللي حصل كسر فيه حاجة جوه، أول ما شافها قال بهدوء ممكن دقيقة؟ مايا ما ردتش، بس كملت مشي، فمشي جـ .
ـنبها وقال أنا خسرت كل حاجة، وقفت عند أول الشارع وبصت له وقالت مش كل حاجة إنت بس اللي كنت فاكر إن كل حاجة هتفضل زي ما هي، سكت لحظة وبعدين قال بابا اتحبس على ذمة قضايا تانية، وأنا اتفصلت من الشغل، وكل اللي كان حوالينا اتقفل، ردت عليه ببرود وده المفروض يخليني أفرح؟، قال بسرعة لا أنا مش جاي أبرر، أنا جاي أقولك إني كنت عارف اللي بيتعمل بس ماوقفتش، الجملة دي وقفت الزمن عندها ثانية، لأنها كانت الحقيقة اللي هي كانت مستنياها من الأول، مش إنهم يعتذروا، لكن إنهم يعترفوا، قالت له بهدوء ليه دلوقتي؟، رد عشان لما كل
حاجة راحت، فهمت إني كنت شـ . ـريك في خسارتك حتى لو ما لمستش القلم، سكتت شوية وبعدين قالت واللي اتكسر فيا ساعتها، ماكانش بيتصلح حتى لو رجعتلي كل حاجة، وسيبته ومشيت، لكن القصة ماقفلتش عند اللحظة دي، لأن بعدها بأسبوعين وصلها إخطار قانوني جديد، مش من جاسر، لكن من جهة تانية تمامًا، شـ . ـركة استثمار كانت مرتبطة بعقود قديمة باسمها اتطلعت عليها أثناء التزوير، وبيطالبوها بتعويضات ضخمة بحجة إنها كانت موقعة على التزامـ .
ـات غير منفذة، هنا فهمت إن الموضوع أكبر من عيلة جاسر، وإن التوقيع المزور فتح باب لشبكة أكبر بكتير من مجرد قاعة فرح، رجعت لنفس المحامي نبيل، واللي أول ما شاف الورق قالها في حد كان بيجهزك تبقي وجه قانوني لعمليات مالية كاملة مش مجرد فرح، وساعتها بدأت مايا تدخل في دوامة تانية، بس المرة دي مش لوحدها، بل مع فريق قانوني وتحقيقات أوسع، وكل ما التحقيق يتعمق، كان بيظهر اسم طرف ثالث ماكانش في الحسبان، موظف قديم في شـ .
ـركة العيلة كان بيستخدم بياناتها في توقيعات إلكترونية عبر سنين من غير ما حد ياخد باله، ومع الوقت بدأت الصورة تتغير من قصة خـ ـيانة عائلية لقضية فساد مالي منظم، وفي وسط كل ده، جاسر حاول يتواصل تاني، لكن المرة دي مكالمـ . ـاته كانت أقل، وصوته دايمًا متقطع، مرة يقولها أنا مستعد أساعدك في أي حاجة لو احتجتي شهادة، ومرة يقول أنا عايش على اللي فضل مني بس، لكنها ماكنتش بترجع ترد، مش قسـ .
ـوة، لكن لأنها كانت بتتعلم لأول مرة تفصل بين الألم والقرار، وفي جلسة من جلسات التحقيق الموسع، المحامي نبيل قالها إنتي ممكن تكوني المفتاح لإغلاق ملف كبير، بس ده هيكلفك ضغط جامد، بصت له وقالت أنا اتكلفت أغلى من كده قبل كده لما سكت، وبدأت تدلي بإفاداتها واحدة واحدة، مش انتقـ .
ـام، لكن توثيق، وكل إفادة كانت بتكشف جزء جديد من الشبكة لحد ما القضية اتحولت لملف مالي كبير بيتابع على مستوى أعلى، وبعد شهور طويلة، وفي يوم هادي بشكل غريب، وصلت لها ورقة رسمية بتبلغها إنه تم حفظ موقفها نهائيًا بعد ثبوت إنها كانت ضحيـ ـة تزوير كامل، وإن كل التزامـ .
ـاتها اللي اتسجلت باسمها غير قانونية، في اللحظة دي مايا ما عيطتش، ومافرحتش، بس قفلت الورق بهدوء كأنها بتقفل ملف في مكتب، وبعدها سافرت أسبوعين لوحدها على البحر لأول مرة من سنين، هناك، وهي قاعدة قدام الموج، افتكرت أول يوم اتمنعت فيه من القاعة، مش لأنه كان أهم يوم، لكن لأنه كان أول يوم شافت فيه حقيقتها من غير أي قناع، ولما رجعت القاهرة، كانت مختلفة، مش أقوى بشكل مبالغ فيه زي ما الناس بتقول، لكن أهدى، أوضح، وفي يوم وهي داخلة مكتبها، قابلها شخص جديد في حياتها المهنية عرض عليها شـ . ـراكة في مشـ .
ـروع مالي كبير، بصت له لحظة، وبعدين ابتسمت وقالت هسمع بس المرة دي هقرا كل كلمة قبل ما أمضي، ومشيت لقدام، مش لأنها نسيت، لكن لأنها أخيرًا فهمت إن حياتها مش رد فعل على اللي اتكسر، لكنها اختيار جديد كل يوم.