
الجزء الثاني من القصة: القماشة كانت على بُعد سنتيمترات من جزمة الملازم محمود… والكل ماسك نفسه مستني اللحظة اللي هتتم فيها الإهانة الكاملة. لكن فجأة… البنت وقفت في مكانها بدل ما تكمّل الحركة. رفعت عينيها بهدوء، وبصّت لمحمود نظرة ثابتة خلت ابتسامته تهتز للحظة. وبمنتهى الثقة… رمت القماشة على الترابيزة، جنب جزمته مباشرة. الضحك وقف. كأن حد ضغط زرار “صمت” فجأة في الكافيتريا. محمود قطّب حاجبيه وقال بحدة: “إيه اللي بتعمليه؟!” البنت مسحت إيديها بهدوء من الأكل اللي كان عليها، وبصّت له وقالت بنبرة هادية جدًا:
“أنا هنا أخدم بلدي… مش أنضف جزم حد.” همهمة خفيفة بدأت تنتشر بين الجنود. بعضهم بص لبعض باستغراب… وبعضهم بدأ يحس إن الموضوع خرج عن السيطرة. وش محمود احمر من الغض,,ب. وقف مرة واحدة، خبط الترابيزة بإيده، وصوته علي: “واضح إنك محتاجة تتعلمي الأدب من أول وجديد!” قرب منها خطوة، وكانت نيته يكمّل الإهانة قدام الكل… لكن قبل ما يتكلم— صوت قوي قطع المكان كله: “قف عندك… يا ملازم.” الصوت كان حازم… تقيل… ومليان هيبة خلت كل اللي في الكافيتريا يقوموا واقفين تلقائي.
الأنظار اتجهت ناحية الباب. رجل كبير في السن نسبيًا، لابس الزي الرسمي بكل أناقته، وعلى كتفه نسر لامع بيحدد رتبته العالية… دخل بخطوات ثابتة. الهمسات بدأت: “ده لواء…” “إزاي جه هنا فجأة؟” الملازم محمود اتجمد في مكانه، وبعدها بسرعة فرد جسمه وحيّا باحترام: “فندم!” لكن الصدمة الحقيقية… كانت لسه جاية. اللواء ما ردش عليه… عدّى من جنبه كأنه مش موجود أصلًا… ووقف قدام البنت مباشرة. بص لها ثواني… وبعدين— رفع إيده بتحية عسكرية كاملة. الكافيتريا كلها اتجمدت.
محدش فهم حاجة. صوت اللواء كان واضح وهو بيقول: “كنتِ على حق إنك ما قبلتيش الإهانة.” محمود فتح عينه بصدمة: “فندم… حضرتك تقصد—؟” اللواء لف له ببطء، ونظرته بقت حادة: “واضح إنك ما تعرفش مين اللي واقف قدامك.” رجع بص للبنت، وكمل بصوت مسموع للجميع: “دي النقيب ليلى منصور… من القوات الخاصة. تم نقلها هنا في مهمة خاصة… وكانت تحت التقييم.” المكان كله انفجر همس وصدمة. محمود حس كأن الأرض بتتهز تحته. النقيب ليلى…؟! اللي كان بيهينها من الصبح… كانت أعلى منه رتبة… وبكتير.
اللواء قرب خطوة، وصوته بقى أكثر صرامة: “والتقييم خلص… ونتيجته واضحة.” سكت لحظة… وبعدين قال: “النقيب ليلى أثبتت انضباط وشرف… أما أنت يا ملازم… فأثبتّ إساءة استخدام السلطة.” السكوت كان تقيل جدًا. محمود ما عرفش يرد… ولا حتى يرفع عينه. اللواء أشار بإيده وقال: “بعد الأكل… مكتبي فورًا.” بعدين بص للجنود كلهم: “واللي شاف اللي حصل وسكت… هيتحاسب برضه.” الأنظار نزلت للأرض. ليلى وقفت بهدوء، عدّلت هدومها، وبصّت لمحمود نظرة سريعة… من غير ولا كلمة.
لكن النظرة دي كانت كفاية. لفّت وخرجت من الكافيتريا بخطوات ثابتة… وسابت وراها مكان مليان صدمة… وضابط مستقبله بيقع في لحظة. لكن القصة لسه ما خلصتش… الجزء الثالث من القصة: خرجت النقيب ليلى منصور من الكافيتريا بخطوات ثابتة، من غير ما تبص وراها… لكن كل العيون كانت متعلقة بيها. الهمس بدأ يزيد: “إزاي محدش عرف؟!” “قوات خاصة؟!” “يعني كل ده كان اختبار؟!” جوه المكان، الملازم محمود الشافعي كان واقف مكانه، حاسس بثقل رهيب فوق ص,,دره. لأول مرة من سنين… ما كانش عارف يتصرف.
مشهد القماشة… والضحك… ونظرات الجنود… كله كان بيعيد نفسه في دماغه. بس المرة دي… هو اللي كان في موضع الإهانة. بعد نص ساعة… وقف محمود قدام باب مكتب اللواء. إيده كانت مترددة قبل ما يخبط. “ادخل.” الصوت كان حاسم. فتح الباب ودخل بخطوات محسوبة. المكتب كان هادي، مرتب، وكل حاجة فيه بتدل على نظام صارم. اللواء كان قاعد وراه، وليلى واقفة على جنب، بهدوءها المعتاد. محمود حيّا بسرعة: “فندم.” اللواء ما ردش التحية فورًا…

