منوعات

امي تعبانه ٢

  وقفت حنين مكانها، الزمن كأنه اتوقف، والأصوات اللي حواليها بقت مجرد وشيش بعيد. كانت بتبص لنورا —العروسة الجديدة— اللي كانت بتتفرج على الشقة بإعجاب وبتعدل طرحتها قدام المراية اللي حنين هي اللي اختارت مكانها، وكأن حنين دي مجرد قطعة ديكور قديمة ملهاش لازمة.الكاتبه المميزه أمانى سيد نورا بصت لحنين من فوق لتحت وقالت بدلع: ـ “بقولك إيه يا أحمد، مش قولتلي إنها هتكون موجودة تحت عند مامتك؟ هي هتبات معانا هنا من أول ليلة ولا إيه؟”

أحمد رد وهو بيقلع جاكيت البدلة وبيرميه على الكنبة اللي حنين لسه قايمة من عليها: ـ “لا يا حبيبتي، حنين أصيلة وعارفة الأصول، هي بس كانت بتشوف التوضيبات اللي تعبت فيها.. اطلعي يا حنين دلوقتي شوفي أمي عشان ميعاد دواها، وإحنا لو احتاجنا عشا أو حاجة هبقى أنادي عليكي.” كلمة “أنادي عليكي” رنت في ودن حنين زي السوط. حست إنها مش بس اتخانت، دي اتدبحت بدم بارد. الصدمة خلتها مش قادرة تنطق، مكنتش قادرة حتى تعيط، كانت بتبص لأحمد وكأنها أول مرة تشوفه.. الشخص اللي كانت بتستأمنه على عمرها، هو نفسه اللي استغل حنيتها على أمه عشان يطردها من مملكتها.

أحمد لاحظ سكوتها، فقرب منها ووشوشها بحدة: ـ “فوقي يا حنين، متبوظيش الليلة.. أنتِ عارفة إني مبرجعش في كلمتي، عيشي في هدوء واخدمي أمي وهتاكلي وتشربي وتتكسي، هتعملي مشاكل، يبقى تطلعي من هنا بهدومك اللي على جسمك.. قولي مبروك لنورا يلا واطلعي.” انضموا لجروب الكاتبه المميزه أمانى سيد حنين بصت لعينه لقت فيها قسوة غريبة، ونظرة انتصار مقرفة. لفت وشها لقت نورا قاعدة على سر,,ـــــيرها “الجديد” وبتفتح شنطة مكياجها ببرود. في اللحظة دي، حنين حست ببركان جواها، بس مكنش بركان صريخ، كان بركان قوة.. مسحت طرف عينها اللي بدأ يدمع، ورفعت راسها وبصت لأحمد بقوة خلت ريقه ينشف.

ـ “ألف مبروك يا عريس.. ومبروك عليكي يا عروسة، الشقة فعلاً بقت تحفة، بس خسارة، الدهان الجديد مش هيعرف يدادي ريحة الخيانة اللي ملت المكان.” نورا قامت وقفت بغضب: “أنتِ بتقولي إيه يا ست أنتِ؟” حنين كملت وهي بتتحرك ناحية الباب بمنتهى الثبات: ـ “بقول مبروك.. مبروك إنك خدتي ‘بواقي’ راجل، ومبروك عليه إنه لقى الواحدة اللي تليق بخسته. أما بالنسبة للأوضة اللي جنب المطبخ يا أحمد، فخليها ليك لما الدنيا تدور بيك وتعرف قيمة اللي صانتك.. أنا مبيليقش بيا غير الأماكن النضيفة.”

أحمد اتعصب ورفع إيده: “أنتِ هتسوقي فيها؟ اطلعي برا!” حنين وقفت عند الباب، وبصت له نظرة أخيرة خلت قلبه يقبــ,,ـــــض: ـ “أنا طالعة فعلاً، بس مش عند أمك.. أنا طالعة من حياتك كلها. والهدية اللي كنت مستنياها منك النهاردة، أنا اللي هديها لنفسي.. ورقة طلاقي توصلي لبيت أهلي، وحقي في الشقة دي وباقي عفشي، المحاكم هي اللي هتجيبه، وساعتها خلي ‘العروسة’ تنفعك وأنت بتسدد ديونك.” رزعت الباب وراها بقوة هزت الشقة كلها. نزلت السلم وهي مش شايفة قدامها، بس حاسة إن حمل جبل انزاح من على صدرها. دخلت شقة حماتها، لقت الأم قاعدة على الكرسي بتترعش ومنهارة من العياط.

حنين وقفت قدامها وقالت بلهجة مفيهاش عتاب، مفيهاش غير وجع صافي: ـ “قمتي بالسلامة يا ماما؟ مبروك على ابنك عروسته الجديدة.. ومبروك عليكي خيبتك فيا بعد كل اللي عملته عشانك.” الأم حاولت تمسك إيدها: “يا بنتي والله غصب عني، هددني إنه هيرميني في دار مسنين لو نطقت..” حنين سحبت إيدها بهدوء: “اللي بيخاف من ابنه يا ماما، مبيظلــ,,ـــــمش بنات الناس. خليكي معاه، يمكن العروسة الجديدة تراعي ربنا فيكي زي ما أنا عملت.”

خدت حنين شنطتها اللي كانت جاهزة من يومين، وخرجت من البيت وهي بتتنفس هواء الليل البارد، وهي عارفة إن الليلة دي مش نهاية حياتها، دي بداية لحياة مفيهاش تمثيل ولا خيانة. مشيت حنين في الشوارع وهي مش حاسة ببرد الليل ولا بوجع رجليها، كانت ماشية والسينــ,,ـــــاريو كله بيتعاد قدام عينيها زي شريط سينما محروق. كانت بتسأل نفسها: “أنا قصرت في إيه؟”، “هل الطيبة في الزمن ده بقت عيب؟”. بس سرعان ما كانت بتطرد الأفكار دي، لأنها أدركت إن المشكلة مش فيها، المشكلة في “أحمد” اللي استحل كسرها.

وصلت بيت أهلها في وقت متأخر، وأول ما شافها أخوها “محمود” بشنطتها ووشها الباهت، عرف إن في كارثة. حكت له كل حاجة وهي بتترعش، من أول تمثيلية مرض حماتها لحد “نورا” اللي قاعدة في شقتها. محمود قام وقف ببركان غضب: ـ “بقى بيستغفلنا؟ بيخرجك من بيتك عشان يدخل واحدة تانية؟ والله ما هسيبه، وحقك هيرجعلك تالت ومتلت يا حنين.” حنين مسكت إيد أخوها بقوة وقالت بنبرة فيها صرامة غريبة:

ـ “لا يا محمود.. مش عايزة خناق ولا ضــ,,ـــــرب. أحمد فاكر إنه ذكي، وفاكر إني ضعيفة وهسلم بالأمر الواقع عشان مليش مكان. أنا عايزة حقي بالقانون، الشقة دي أنا دافعة في تجهيزها من ورثي، وعفشي اللي باعه ده حقي.. أنا عايزاه يتحسر على كل قرش صرفه في ‘المفاجأة’ بتاعته.” في اليوم التاني، أحمد كان فاكر إن الدنيا هديت، وإن حنين زمانها بتبكي في بيت أهلها وهترجع “تتمنى” الرضا عشان تعيش في الأوضة اللي جنب المطبخ. كان قاعد بيفطر مع نورا بدلع، وفجأة جرس الباب رن.

فتح الباب لقى “محضر” ومعاه ورقة رسمية. أحمد ببرود: “خير يا حضرة؟” المحضر: “أستاذ أحمد؟ معاك إعلان بدعوة ‘تمكين’ من مسكن الزوجية، بالإضافة لمحضر تبديد منقولات زوجية قدمته الأستاذة حنين.” أحمد ضحك بسخرية: “تمكين إيه يا راجل أنت؟ الشقة دي شقتي، وهي اللي سابتها بمزاجها.” المحضر: “الكلام ده تقوله في المحكمة يا أستاذ، بس حالياً في قرار بمعاينة الشقة وجرد المنقولات، لأن الزوجة مقدمة فواتير بكل حاجة كانت موجودة وباعتها أنت بدون وجه حق.” نورا خرجت من جوه وهي بتصرخ: “إيه ده يا أحمد؟ مين دول؟ والمنقولات إيه اللي هيجردوها؟ أنا عفشي جديد!”

أحمد بدأ وشه يتغير، مكنش عامل حساب إن حنين “الكيوت” الهادية اللي بتسمع الكلام، هتروح لمحامين وتفتح دفاتر قديمة في أقل من ٢٤ ساعة. مرت الأيام، وتحولت الشقة “العروسة” اللي أحمد وضبها بفلوسه وبخسة قلبه لسجــ,,ـــــن. حنين مسبتوش لحظة، رفعت قضية خلع، وطالبت بكل مليم حطته في البيت. والأدهى من كده، إن “نورا” لما لقت المشاكل بدأت والمحاكم دخلت، بدأت تظهر وشها التاني. نورا بحدة: “أنا ماليش دعوة بالمشاكل دي يا أحمد، أنا مش هقعد في شقة كل شوية محضر يخبط عليها، اتصرف وهات لي شقة تانية باسمي، وإلا مش هقعدلك فيها ساعة!”

أحمد لقى نفسه محاصر بين ديون التوضيب، ومطالبات حنين القانونية، وطلبات نورا اللي مابتخلصش. وفي يوم، وهو نازل يشتري طلبات لنورا، لقى أمه واقفة في الصالة تحت، بتعيط وبتكلم نفسها. أحمد بزعيق: “في إيه يا أمي؟ مش ناقصاكي أنتِ كمان!” الأم بصت له بحسرة وقالت: “بص في المراية يا ابني، هتلاقي واحد غريب.. حنين كانت بتشيلني من غير ما اشتكي، والعروسة اللي أنت جايبها مسمعاني كلام زي السم عشان طلبت منها كوباية مية.. ربنا مبيسيبش يا أحمد، والبيت اللي اتبنى على كدبة، هيتهد على دماغ صحبه.”

خرج أحمد من البيت والدنيا بتلف بيه، وفي اللحظة دي جاتله رسالة على الموبايل من رقم حنين، فتحها وهو إيده بترتجف، لقاها كاتبة جملة واحدة: “المفاجأة الحقيقية لسه مجتش.. استنى حكم المحكمة بالتمكين، عشان نورا ‘تتفرّج’ على الشقة وهي بتتسلم لي من تاني.. بس المرة دي وأنا صاحبة المكان، وأنت مجرد ذكرى سودة اتمسحت من حياتي.” رمى أحمد الموبايل من إيده وهو حاسس إن الأرض بتهتز تحته. دخل الشقة لقى نورا واقفة في نص الصالة، حاطة إيدها في وسطها وبتبص للديكور اللي لسه ريحته بوية بصه كلها غل.

ـ “بقولك إيه يا أحمد، أنا سمعت كل حاجة من ورا الباب. يعني إيه حنين رافعة قضية تمكين؟ يعني إيه ممكن تيجي تقعد معايا هنا؟ أنا مش هقبل بضرة تشاركني في لقمة، فما بالك في شقة!” أحمد حاول يهديها بصوت مخنوق: “اهدي يا نورا، المحاكم بتاخد سنين، دي مجرد حرب أعصاب بتعملها عشان تبتزني.”

لكن حنين مكنتش بتلعب حرب أعصاب، كانت بتنفذ “خطة استرداد كرامة” بكل دقة. في يوم المعاينة، وصلت حنين ومعاها المحامي وقوة من الشرطة لتنفيذ قرار المعاينة والجرد. أول ما دخلت الشقة، شافت نورا واقفة بقميص نوم “روب” ستان هي اللي كانت شارياه في جهازها وأحمد أداه لنورا. حنين بصت للروب بابتسامة سخرية، وقالت للمحامي بصوت عالي:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى