منوعات

اشتريت بيت

اشتريت لأهلي بيت على البحر عشان يرتاحوا.. بس بعد كام شهر جوز أختي غير الكوالين ورمى شنطهم في الشارع.
الموضوع مكنش مجرد فكرة جاتلي فجأة، دي كانت وعد وعدت بيه نفسي من سنين طويلة، من وقت ما كنت بشوفهم بيصحوا قبل الفجر، ويطحنوا في الشغل لحد ما حيلهم يتهد، ومع ذلك يبتسموا في وشنا كأن الدنيا مفيهاش تعب. أمي كان حلمها تصحى في يوم على صوت الموج، وأبويا اللي كان دايمًا عامل فيها عملي، كان بيسكت خالص وعينه تلمع لما يشوف البحر في التليفزيون.

كبرت والصورة دي محفورة في قلبي هما بيدوا كل حاجة، من غير ما يطلبوا أي حاجة.
وعشان كدة، لما قدرت أخيرًا، مأتشرددتش لحظة.
اشتغلت سنين عشان أوصل لده.. أيام طويلة، وتضحيات، وليالي كنت بشك فيها إن كان المجهود ده كله هيجيب نتيجة ولا لأ. بس كل ما كنت بفتكر بيت البحر والراحة اللي هما محرومين منها، كنت بقوم وأكمل.
يوم ما فاجئتهم، عيطوا.
أمي خبت وشها بإيديها وهي مش مصدقة
بجد يا بنتي؟ ده بجد؟
بجد يا ست الكل.. ده بتاعكم، عشان ترتاحوا، وعشان تعيشوا اللي باقي في هدوء.

أبويا منطقش، بس حــ,,ـــــضنني حــ,,ـــــضنة كانت أقوى من أي كلام ممكن يتقال.
يومها بس حسيت إني عملت حاجة صح في حياتي.
البيت مكنش قصر، بس كان جنة.. بلكونة شايفة البحر بوضوح، وشبابيك كبيرة بتدخل الشمس والبهجة كل صباح، وجنينة صغيرة أمي بدأت ترسم في خيالها هتزرع فيها ورد إيه.
أول كام شهر كانوا زي ما حلمت بالظبط.
كانوا بيبعتوا لي صورهم..
أمي وهي بتضحك والهوا بيطير شعرها.
أبويا وهو قاعد بيقرأ الجرنال وقت الغروب.
فطار بسيط، ومشي على الرمل، وأيام مفيهاش استعجال.
ولأول مرة من سنين، شفتهم خفاف وهمومهم متشالة.

وأنا من بعيد، كنت حاسة إن كل تعبي راح لما شفت فرحتهم دي.
لحد ما ظهرت أختي.. لبنى.
لبنى طول عمرها مختلفة عني..
متسرعة، وطلباتها مابتخلصش.
ودايمًا بتعرف تلاقي طريقة تخلي الأمور تمشي لمصلحتها من غير ما تحسسك بده.
كانت دايمًا تقول
ما أنتي كان حظك أحسن مني.
أنا كمان محتاجة اللي يسندني.
إحنا أهل، والأهل لبعضهم.
عمري ما كرهتها، بس عمري ما عرفت أحط لها حدود في الوقت المناسب.
لما عرفت موضوع البيت، بدأت تروح تزورهم كتير.

في الأول، كان شكل الموضوع حنين
مش عايزاهم يعيشوا لوحدهم، أنا هروح أقعد معاهم كام يوم أونسهم.
وأهلي بطيبتهم المعهودة، فتحوا لها البيت بقلب كبير.
بعدها جه جوزها، رأفت.
راجل من أول لحظة شفته فيها محستش تجاهه براحة.
مش لحاجة واضحة، بس لنظرته اللي كانت بتحسسك إن كل حاجة قدامه لها تمن.
بيت جميل يا مدام.. قوليلي بقى، البيت ده مكتوب باسم مين؟
باسم بابا وماما ردت عليه باختصار ومن غير تفاصيل.
ابتسم.. بس مكنتش ابتسامة مريحة.
كانت ابتسامة واحد بيقيس وبيرتب لحاجة.
الزيارات بقت تطول..
وبعدين بقت بتتكرر بزيادة..

لحد مافي يوم، أمي كلمتني وصوتها كان متغير..
قالت لي بصوت واطي ومكسور يا بنتي، رأفت جاب عمال ونزلوا العفش القديم بتاعنا في أوضة الخزين اللي ورا، وبيقول إنه هيجدد البيت عشان يليق بمقامنا.. أنا مش مرتاحة، والبيت مابقاش بيتي يا بنتي.
حاولت أهديها، قلت لها يمكن فعلاً عايز يساعد، بس قلبي كان حاسس إن فيه کاړثة بتطبخ. سافرت لهم فوراً، وأول ما وصلت لقيت البيت مابقاش هو البيت.. الهدوء اختفى، وصوت رأفت ولبنى مالي المكان، وعيالهم بيتنططوا في كل حتة وكأنهم أصحاب المكان، وأبويا قاعد في ركن في البلكونة، شارد، كأنه ضيف تقيل.

واجهت لبنى، قلت لها إيه اللي بيحصل هنا؟ ده بيت بابا وماما، مش لوكاندة!
ردت ببرود وهي بتبرد ضوافرها إيه يا حبيبتي؟ إحنا بنصلح اللي أنتي سايباه يباوز، السباكة كانت ضايعة ورأفت دفع ډم قلبه، وبعدين إحنا عيلة واحدة، ولا أنتي عايزة تاكلي التورتة لوحدك؟
رأفت دخل في الكلام وبنبرة كلها ثقة قال يا مدام، إحنا بس بنحافظ على الأصول، وبما إن البيت باسم الحج، فأنا عملت له توكيل عام عشان أخلص له إجراءات تصالح وتراخيص كانت ناقصة.. متقلقيش، إحنا ستر وغطا على بعض.
كلمة توكيل نزلت عليا زي الصاعقة.

بصيت لأبويا، لقيته هز راسه بقلة حيلة وقال يا بنتي، قعد يزن فوق دماغي ويقولي عشان الضرائب وعشان المية، وأنا مابقتش حمل مشاوير ومصالح حكومية، مضيت له وخلصنا.
ليلتها منمتش. الصراع بدأ يكبر، ولبنى بدأت تطفش أمي من المطبخ، ورأفت بقى بيتحكم في مين يدخل ومين يخرج. لحد ما جه اليوم الأسود.. كنت في الشغل ولقيت تليفون من جارة أمي في مارينا بتصوت الحقي يا أستاذة! أبوكي وأمك قاعدين على الرصيف والشنط حواليهم!
طرت بالعربية، وصلت لقيت المنظر اللي عمري ما هنساه.. أبويا ساند ضهره على الحيطة بكسرة، وأمي قاعدة على شنطة هدومها بټعيط بحړقة.

الكوالين متغيرة، ورأفت واقف ورا السلك بتاع البلكونة بكل بجاحة بيقول البيت ده بقى ملكي، بعقد بيع وشراء قانوني بالتوكيل اللي معايا.. وأختك معاها نسخة من العقد، وليكم عندي قرشين لما الدنيا تيسر هبعتهم لكم.
لبنى كانت واقفة وراه، بتبص من الشباك ودموعها نازلة، بس مكنتش بتنطق، كانت أضعف من إنها تقف في وش الشيطان اللي اتجوزته، أو يمكن طمعها كان أعمى عينيها.
نزلت من العربية زي المچنونة، خبطت على الباب بكل قوتي افتح يا حرامي! افتح يا نصاب! ده بيتهم، ده شقايا!

رأفت رد ببرود روحي المحكمة يا شاطرة، القانون لا يحمي المغفلين، وأنا معايا ورق يهد جبال.
خدت أهلي في حضڼي، ركبتهم العربية وأنا جسمي كله بيتنفض. مكنش قدامي غير حل واحد.. أنا بنت مصرية ومتربية في السوق، وعارفة إن الحق اللي مبيجيش بالذوق، بييجي بالدماغ.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى