
يوم ما رجعت شقتي، لقيت الكالون متغير والخدامه واقفة ورا الباب الموارب وبتسألني ببرود: “مين حضرتك وعايزة مين ؟؟..واللي عرفته بعدها كان افظع بكتير ؟”
وقفت في الطرقة، بإيد شايلة شنطة اللابتوب، والإيد التانية ماسكة سندوتش “فينو” لسه مكنتش لحقت أكله، وقفت متنحة لحظات لحد ما اتأكدت إني في الدور الصح.
رقم الشقة لسه 1602 زي ما هو.
الشقة دي أنا اللي دافعة تمنها “كاش” قبل ما أتجوز، يعني مملوكي الخاص.
بس الكالون كان متغير لنوع أول مرة أشوفه، شكله غريب ومودرن بزيادة.
قبل ما أستوعب اللي بيحصل، سمعت صوت ست من جوه، نبرة صوتها فيها “رسمية” زيادة عن اللزوم، وكأنها بتطرد حد غريب:
“يا مدام.. إنتي مين وعايزة مين؟”
ضحكت بسخرية وقلت:
“دي شقتي، إنتي اللي مين وبتعملي إيه هنا؟”
الباب اتفتح حتة صغيرة، لقيت “طنط فوزية” (الخدامه بتاعتنا) لابسة المريلة بتاعتي، ولابسة الشبشب البيت اللي لسه شارياه الشهر اللي فات، بصتلي من فوق لتحت بنظرة استنكار كأني جاية أعمل مشكلة.
قالت بجمود: “الباشمهندس مش موجود، وممنوع دخول أي حد غريب.”
بصيت في عينها وقلت: “مين دي اللي غريبه يا طنط فوزيه انا لمياء. مرات الباشمهندس و صاحبة البيت.”
لمحت نظرة ارتباك
في عينيها، بس ثواني وشدت وشها تاني وقالت:
“الباشمهندس مبهدلنا وصايا، بيقول الأمن اليومين دول مش تمام، وممنوع حد غريب يدخل الشقة مهما كان.”
في اللحظة دي، الأسانسير عمل “تِك”، والباب اتفتح.. طلع “حسام” جوزي ومعاه كيس صغير.
لما شافني واقفة قدام الباب، وقف متجمد، باين عليه إنه مكنش عامل حساب رجوعي بدري.
”لمياء؟ إيه ده، رجعتي إمتى؟ مش كنتِ قايلة إنك جاية من السفر بكره؟”
بصيتله ومكنتش قادرة حتى أبتسم، قلت: “لا والله؟ هو أنا لازم أستأذن حضرتك قبل ما أدخل بيتي؟”
قرب بسرعة عشان ياخد مني الشنط، بس أنا اتفاديت إيده.
قال بصوت واطي ومحايل: “يا حبيبتي متكبريش الموضوع.. ماما لوحدها هنا والجو الأيام دي مش أمان، وفيه طرود اتسرقت في العمارة، فقلت لطنط فوزية تغير الكالون للأمان مش أكتر.”
”تغير الكالون؟” بصيت للكالون الغريب اللي على الباب. “تغير كالون شقتي من غير ما حتى تبلغني؟”
”معلش، كنت مضغوط في الشغل ونسيت.”
فتح الباب وقال: “ادخلي بس، وأنا هفهمك كل حاجة.”
وقفت مكاني: فقال بسرعه، ليه مكبرة الموضوع كده؟”
بصيتله ومردتش. هو دايماً شاطر في اللعبة دي.
يبقى هو اللي غلطان، وفي الآخر يقلب الترابيزة ويطلعني أنا “النكدية” اللي بتعمل
من “الحبة قبة”، أو يرمي اللوم على ضغط الشغل وتوتري.
أول ما دخلت، عيني جت على “الجزامة”. كوتشياتي اللي بلبسها دايماً مرمية في الآخر، وفي الوش محطوط كوتشي أطفال مقاس 6. لونه أبيض في أزرق.
وقفت وسألت: “من إمتى عندنا أطفال في البيت؟”
بص زيي وقال ببرود: “آه، ده حفيد طنط فوزية كان هنا ونسيه.”
طنط فوزية اتدخلت بسرعة: “يا عيني عالأطفال ونسيانهم، هبقى أخده معايا وأنا ماشية بكرة.”
سكتت، بس الشك بدأ ينهش في قلبي.
طنط فوزية دي بقالها شهرين معانا بعد ما حماتي وقعت واتكسرت، وعمرها ما جابت سيرة إن عندها أحفاد.
في الأول كانت “ست محترمة”، بتقولي يا “هانم”، وبتسألني بتحبي الأكل مشطشط ولا لأ، وتخبط قبل ما تدخل أوضة النوم. لكن بقالها أسبوعين، بدأت تتصرف كأنها هي “ست البيت”.
بُن القهوة الغالي اللي جايباه، قالتلي “بيعمل حموضة” ورمته. كريمات إيدي، قالت ريحتها “بتخنق ” وادتها لحماتي. حتى الزرع اللي في البلكونة، قالت “بيلم حشرات” ورمته!
كنت فاكراها قلة ذوق، لحد ما لقيت في الدولاب “كارديجان” بيج، مش بتاعي. مقاسه أصغر مني، ومكتوب جوه عند الرقبة بحروف صغيرة “مايا”.
لما خرجت بيه للصالة، كان حسام بيقشر تفاحة. أول ما شافه، رد بسرعة:
“آه،
ده ماما كانت لابسة جاكت واحدة صاحبتها كانت نسيته في المستشفى، وقالتلي أغسله وأرجعه، أكيد طنط فوزية هي اللي حطته في الأوضة غلط.”
رميت الجاكت على الترابيزة وقلت: “كده؟ هو البيت بقى سبيبل، هدوم أي حد تدخل أوضة نومي؟”
حسام كشر: “لمياء، إنتِ مضغوطة زيادة اليومين دول.. إيه يعني جاكت؟ مكبرة الموضوع ليه؟”
تاني.. نفس الأسطوانة. “أنتِ تعبانة، أنتِ مضغوطه.”
زمان لما كنت بسهر أخلص شغلي، كان بيستناني بالعافيه، ودلوقتي بيشكك في عقلي.
الصبح، لقيت الكالون اتغير تاني!
أمس كان أسود، النهاردة بقى رمادي. والقبضة اتغيرت.
وقفت مذهولة، طنط فوزية طلعت من المطبخ ببرود: “الباشمهندس قال إن الكالون اللي ركبناه كان بيعلق، فجاب الصنايعي بالليل غيره.”
”بالليل؟”
“أه، طبعاً.. أكيد إنتِ كنتِ نايمة ومحستيش.”
حسام كان نزل الشغل، وحماتي في الأوضة التانية عليّت صوت التلفزيون.
حسيت إن فيه حاجه غريبه في بيتي. صورت الكالون بالموبايل، طنط فوزية وشها جاب ألوان: “بتصوري إيه يا هانم؟”
ابتسمت بهدوء: “بصور كالون شقتي، فيها حاجة دي؟”
الظهر، رحت للإدارة بتاعة الكومباوند. الموظف اتوتر لما سألته:
“يا مدام لمياء.. الصراحة..
شقتكم اتغير كالونها 5 مرات في أسبوعين!
”
حسيت بدمي بيجمد. “5 مرات؟ ليه ومحدش بلغني؟”الموظف اتوتر واللي قاله خلاني هقع من طولي ….
الموظف اتوتر، وبص حواليه يتأكد إن مفيش حد من أمن الكومباوند قريب، ووطى صوته وقال بجدية مرعبة: “يا مدام لمياء، الموضوع مش بس كالون.. الباشمهندس حسام جاب تصريح رسمي من يومين عشان ‘تغيير أقفال الشقة بالكامل وتأمين المداخل’، وتصريح تاني بدخول خادمة مساعدة تانية للمساعدة في أعمال البيت..
والأغرب من كده، إن في السجلات مكتوب إن الشقة دي ساكن فيها أسرة مكونة من أب وأم وطفلين، مش اتنين بس!”
رجعت لورا خطوة، ووقعت الشنطة من إيدي واللاب توب وقع اتخبط في الأرض: “أسرة؟ أنت بتقول إيه؟ أنا صاحبة الشقة! أنا اللي دافعة تمنها كاش!”
الموظف بصلّي بنظرة شفقة وقال: “يا هانم، أنا بكلمك باللي موجود في السيستم قدامي، والأسوأ إن فيه طلب مكتوب باسمك، وبإمضتك، بيطلبوا فيه تغيير طاقم الأمن الخاص بالدور عشان ‘الخادمة اللي كانت شغالة عندكم سابت الشغل’، والطلب ده متقدم من 3 أيام..
يعني في نفس اليوم اللي كنتِ إنتِ فيه مسافرة!”
هنا بدأت أربط الخيوط ببعضها.. الإمضة مش إمضتي، بس شبهها جداً.. وصوت طنط فوزية “الرسمي” اللي سمعته أول ما جيت.. وتغيير الكوالين المتكرر اللي بيخلي كل مفتاح معايا ملوش لازمة.. والجاكت اللي مكتوب عليه “مايا”..
طلعت جري من الإدارة، موبايلي رن.. كان حسام.
رديت وصوتي بيترعش: “ألو؟”
رد ببرود عكس
عادته: “يا لمياء، طنط فوزية بتقول إنك خرجتي من غير ما تقولي، والبيت نصه مكركب وأنا محتاج الـ ‘سيديهات’ اللي في درج المكتب، لو سمحتي ارجعي هاتيها بسرعة عشان فيه اجتماع مهم، ولو مش هترجعي سيبي المفتاح القديم تحت المشاية، عشان سبتلك مفتاح جديد مع فوزية.. إحنا غيرنا الكالون للمرة السادسة من شوية عشان ‘الأمان’ زاد بزيادة!”
قفلت في وشه، وبصيت لبوابة الكومباوند.. فجأة حسيت إن البيت ده مبقاش بيتي، وإن الناس اللي جوه دي مش مجرد خدم، دول بيحاولوا “يمحوني” من حياتي بالتدريج.. كأني بقيت ضيفة تقيلة في مكاني.
خدت نفس عميق، وقررت إني مش هرجع..
مش هدخل من الباب اللي بيغيروا فيه قفله عشان يمنعوني، أنا هدخل من الشباك أو هكسر الباب ده عليا وعليهم، بس قبل ما أعمل كده، كان لازم أتأكد مين هي “مايا”؟ وإيه اللي بيحصل جوه الشقة اللي بقيت “غريبة” فيها في بيتي؟
