
كنا قاعدين بنتغدى عند حماتى وكانت سلفتى واقفه كعادتها بترص الاطباق
ومكنتش تعرف إن جوزها اتجوز عليها عشان يخلف كانوا مخبيين عليها
وهى بترص الاطباق اتعمد أنى ارمى الكلمه وأشوف منظرها وهى مكسوره
ـ صحيح يا وائل مراتك دلوقتي فى الشهر الكام
مره واحده الكل سكت وبصوا لبعض بصدمه
وقتها خواطر بصتلى بضحكه
ـ وائل مين اللى مراته حامل مانتى عارفه اللى فيها يا غاده
وقتها ابتسمتلها بخبث
ـ أنا ماقصدكيش انتى يا خواطر انا اقصد مراته التانيه
ايه ده معقول لحد دلوقتي ماتعرفيش إن جوزك اتجوز عليكى ده كان عامل فرح
كبير أوى للعروسه
لحظة صمت مميتة خيمت على الصالة، وكأن الزمن اتوقف عند الكلمة دي. خواطر فضلت ماسكة الطبق في إيدها، وإيدها بدأت ترتعش ببطء لحد ما الطبق وقع على الأرض واتكسر ميت حتة، وصوته كان زي رصاصة دخلت قلبها
بصت لوائل، كانت بتدور في عينيه على أي نفي، أي كذبة تطمنها، لكن وائل وطى راسه في الأرض، وعروق إيده برزت وهو ضاغط على طرف السفيرة من غير ولا كلمة. الصدمة كانت أكبر من إنها تستوعبها، وشها اللي كان منور من شوية بقى شاحب زي الأموات.
حماتها حاولت تلم الموضوع بصوت مهزوز:
ـ جرى إيه
يا غادة؟ إيه الكلام اللي بتقوليه في وقت زي ده! ما تعقلي يا بنتي.
لكن خواطر مسمعتش حد، كانت لسه باصة لوائل، وقالت بصوت مكسور ومبحوح، يكاد يكون مسموع:
ـ وائل.. غادة بتقول إيه؟ انطق.. العروسة مين؟ والفرح اللي كان من ورايا ده كان لمين؟
وقتها الفرحه مكنتش سيعانى وانا شيفاها مكسوره قدامى انا عارفه ازاى هى يتحب وائل وبتتمناله الرضى وسابت شغلها وحياتها وعشان ترضيه كانت بترضى امه وشايله كل طلباتها على دماغها وده خلى جوزى كل شويه يقارنى بيها وحماتى تفضلها عليه
بصيت لها بنظرة انتصار وأنا شايفة الدموع بدأت تتجمع في عينيها، التفتُّ لجوزي اللي كان قاعد مبرق ومش مصدق إني قدرت أنطقها، كأني كنت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر عشان أرد كل قلم أخدته بسببها. حماتي قامت من مكانها، وشها احمر من الغيظ، وقربت مني وهي بتوشوش بصوت كأنه فحيح أفعى:
ـ “الله يقطع لسانك يا غادة، كان لازم تخربي البيت في اللحظة دي؟”
ضحكت ضحكة مكتومة مسمعهاش غيرها، وقلت بصوت عالي كأني ببرأ نفسي:
ـ “يا ماما أنا قولت أبارك، مش دي برضه هتبقى مية العيلة الجديدة؟
ولا هي خواطر غريبة عننا عشان نخبي عليها فرحة زي دي؟”
وائل فجأة خبط بإيده على التربيزة بقوة خلت الكبايات تتهز، وقام وقف وهو بيزعق في
وائل أخوه وجوزي:
ـ “لم مراتك يا محمود! مش كفاية السواد اللي هي فيه، جاية تسمم عيشتنا كمان؟”
في اللحظة دي، خواطر سابتهم كلهم، ومشت بخطوات تقيلة ومهزوزة ناحية الباب، مكنتش بتعيط بصوت عالي، كانت بتطلع أنين مكتوم يقطع القلب. وائل حاول يلحقها ويمسك إيدها، لكنها نفضت إيده بقوة مكنش حد يتخيل إنها عندها، وبصت له بنظرة خذلان خلت رجله تتسمر في الأرض.
قالت له كلمة واحدة قبل ما تخرج:
ـ “كل شبر في البيت ده، وكل خدمة خدمتها لأمك، وكل تضحية ضحيتها عشانك.. أنا ندمانة عليها أكتر من ندمي على عمري اللي ضاع معاك.”
خرجت وقبل ما تقفل الباب وراها، بصت لي بصه عمري ما هنساها، مكنتش نظرة كسر، كانت نظرة واحدة شافت الحقيقة المرة وقررت إنها مش هترجع تاني. حماتي وقعت على الكرسي وهي بتلطم على وشها، وجوزي بص لي بغضب ورفع إيده كأنه هيضربني، بس أنا واجهته بابتسامة باردة وقلت له:
ـ “وريني هتعمل إيه؟ مش دي اللي كنت بتقولي اتعلمي منها الأدب؟ أهي سابتلك البيت بالأدب بتاعها.. اشبع بقى أنت وأمك ووائل وعروسته الجديدة.”
فى شقه خواطر طلع وائل وأمه وراها عشان يتكلموا معاها
فتحت خواطر باب شقتها بإيدين مرتعشة، كانت حاسة إن الحيطان بتلف بيها، ومجرد ما دخلت ورمت مفاتيحها على الترابيزة،
سمعت صوت خبط سريع ونهجان ورا الباب.
دخل وائل وهو بينهج، ووراه أمه اللي كانت ساندة على عكازها ووشها باين عليه التعب والهم. وائل قرب منها وهو بيحاول يمسك كتفها، لكنها اتراجعت لورا كأن لمسته بقت نار بتلسعها.
ـ “خواطر.. ابوس إيدك اسمعيني، الموضوع مش زي ما غادة قالته خالص، غادة قصدها توقع بيننا وتخرب البيت.”
بصت له خواطر بضحكة فيها وجع يكسر الحجر، وقالت له بصوت مبحوح:
ـ “مش زي ما قالته؟ يعني أنت متجوزتش؟ يعني مفيش واحدة تانية حامل في ابنك اللي استنيته مني سنين؟ انطق يا وائل.. كدّبها وقول إنها كذابة وأنا هصدقك أنت وهكدب عيني وكل الدنيا.”
سكت وائل ونزل راسه في الأرض، والسكوت ده كان السكينة اللي ذبحتها بجد. حماتها قربت منها وحاولت تاخدها في حضنها وهي بتقول بنبرة كلها رجاء:
ـ “يا بنتي يا خواطر، أنتِ عارفة غلاوتك عندي، أنتِ ست البيت والنفس اللي بنتنفسه.. بس ده شرع الله، ووائل كان نفسه في حتة عيل يشيل اسمه، وأنتِ عارفة إن العيب مش منه ولا منك، ده نصيب.. هو متجوزش عليكِ عشان قصرتِ، هو اتجوز عشان يكمل اللي ناقص.”
وائل رفع راسه وبدأ يبرر بلهفة وكأنه بيحاول ينقذ نفسه من الغرق:
ـ “والله العظيم ما كان قصدي أكسرك، أنا قولت أخبي عليكي لحد ما الطفل ييجي،
وأحطه بين إيديكي وأقولك ده ابنك أنتِ،
هي مجرد وعاء يا خواطر، لكن أنتِ الحب كله، أنتِ اللي شيلتيني وشيلتي أمي في مرضها.. أنا عملت كده عشانك برضه، عشان ميفضلش حد يبصلنا بعين ناقصة، وعشان البيت يعمر.”
خواطر كانت بتسمع التبريرات وهي حاسة بمرارة في حلقها، سابتهم ودخلت أوضتها وهي بتقول بجمود رعبهم أكتر من الصريخ:
ـ “عشاني؟ متجوز ومخبي وعامل فرح وحامل.. وكل ده عشاني؟ أنت معملتش كده عشان حد يا وائل، أنت عملت كده عشان أنانيتك.. والبيت اللي كنت فاكر إنه هيعمر بالولد، أنت هديت حيطانه كلها بكلمتين غادة النهاردة.”
وائل قرب من الباب وسند جبينه عليه، وبدأ يتكلم بنبرة هادية ومكسورة وكأنه شايل هموم الدنيا:
ـ “يا خواطر، افتحي واسمعيني.. والله غادة زودتها أوي وفتنت بالباطل. فرح إيه وقاعة إيه اللي بتقول عليهم؟ أنا لا عملت فرح ولا هيصت وأنتِ عارفة البير وغطاه. الموضوع وما فيه إنها ست غلبانة أوي، يتيمة ومطلقة، وحالها يغم القلب. أنا اتجوزتها بس عشان “الخلفة” وعشان أسترها في نفس الوقت، ومستحيل أطلقها لأن مالهاش حد في الدنيا يلمها غيري واكبر منى فى السن بكتير كان كل هدف. استرها واجيب العيل اللى نفسى فيه لو مش مصدقه اتصل بيها اجبها دلوقتي لو شوفتيها
هتعذرينى ”
سكت شوية وكمل بتمثيل متقن:
ـ “يا حبيبتي أنا لا قاعد عندها ولا واخدة من وقتك حاجة، دي يا دوب بروح لها من وقت للتاني، أشقر عليها وأطمن إن ناقصها حاجة، وأديها اللي فيه النصيب من مصروفي عشان تعيش وتصرف على اللي في بطنها.. اللي هو ابني وابنك في الآخر. هي عارفة مقامها كويس وعارفة إنك أنتِ الكل في الكل، وهي مجرد ضيفة غصب عنها وعني عشان خاطر العيل اللي حلمنا بيه.”
حماتها دخلت في الخط وهي بتهز راسها بتأكيد:
ـ “أيوه يا بنتي، وائل قلبه طيب ومش عايز يرميها في الشارع وهي حامل، دي ولية مقطوعة لا مال ولا جمال ولا حتى صغر سن، ده هي أكبر منه بكتير، يعني مفيش وجه مقارنة بينك وبينها أصلًا. هو بيعمل ثواب فيها وفي ابنه، وخبا عليكي عشان عارف إن قلبك رهيف ومش هتتحملي.”
وائل كمل وهو بيحاول يفتح الباب ببطء:
ـ “يا خواطر، أنا لو عايز واحدة تانية كنت نقيت، لكن أنا اخترت دي بالذات عشان غلبانة ومستحيل تعمل راسها براسك، ومستحيل تاخد مكانك في البيت ولا في قلبي. أنا بس بطل عليها عشان ربنا ميحاسبنيش على كسر خاطرها وهي شايلة ابني. ردي عليا يا ست الكل.. متخليش كلام غادة السام يهد اللي بنيناه في سنين.”وائل حب يثبت
لخواطر صدق كلامه، وإن الست دي “ولا حاجة” بالنسبة له، فطلع تليفونه قدامها وبسرعة اتصل بـ “ولاء”.
ـ “أيوة يا ولاء.. اجهزي وانزلي تعاليلي على البيت دلوقتي، عايزك في موضوع.”
ساعة بالظبط وكان جرس الباب بيرن. خواطر كانت واقفة بجمود، عينيها مثبتة على الباب وهي مستنية تشوف الست اللي قدرت تشاركها في جوزها. دخلت “ولاء”، كانت فعلًا باين عليها السن، ملامحها عادية جداً ولبسها بسيط، وبطنها بدأت تبرز من تحت العباية الواسعة.
ولاء دخلت وهي موطية راسها في الأرض، أول ما شافت خواطر، ملامحها اتغيرت من الخوف لنظرة فيها رجاء غريب. وائل بص لخواطر وقال ببرود:
ـ “أهي يا خواطر.. شوفيها بنفسك عشان تعرفي إني مغلطتش في وصفها، ست غلبانة وماشية جنب الحيط.”
لكن “ولاء” فاجئت الكل، وبصت لوائل وقالت بصوت هادي وكله ثبات:
ـ “ممكن تسيبنا لوحدنا يا وائل؟ أنت والست الوالدة؟”
وائل استغرب:
ـ “تسيبي مين؟ عايزة إيه يا ولاء؟”
ردت ولاء وهي بتبص لخواطر في عينيها مباشرة:
ـ “عايزة أتكلم مع الست خواطر كلمة ست لست، على انفراد.. من فضلك.”
وائل بص لأمه اللي شاورتله يسيبهم، وخرجوا الصالة وهما قلقانين من اللي ممكن ولاء تقوله. ولاء قربت من خواطر
اللي كانت واقفة زي الصنم، وقالتلها بنبرة واطية:
ـ “أنا عارفة إنك شايفة إني جيت سرقت حياتك.. بس وائل محكاش ليكي الحقيقة كاملة يا خواطر، وأنا مش جاية هنا عشان أخد مكانك، أنا جاية أقولك اللي هو خايف يقوله
خواطر فضلت بصه لولاء بتمعن، كانت بتحاول تفتش في ملامحها عن السر اللي يخلي وائل يروح لها. ولاء كانت فعلاً في أواخر التلاتينات، بس وشها كان مطفي وشاحب، والتجاعيد اللي حوالين عينيها والهم اللي مرسوم على وشها مخليها تبان كأنها عدت الخمسين.
المفاجأة الأكبر لخواطر كانت الطفل اللي داخل ماسك في طرف عباية ولاء، ولد عنده حوالي سبع سنين، ملامحه هادية بس عينيه فيها حزن وخوف مش بتاع سنه.
ولاء قعدت على طرف الكرسي بتعب، وشدت ابنها لحضنها، وبدأت تتكلم وصوتها فيه رعشة مكتومة:
ـ “أنا عارفة إنك بتسألي نفسك دلوقتي، إيه اللي رماني الرمية دي؟
وإزاي وافقت أكون الزوجة التانية في السر؟ يا ست خواطر، أنا مش جاية أقولك إني أحسن منك، ولا جاية أقول إن وائل حبني.. الحقيقة إن أنا اللي كنت محتاجة “ضل راجل” يحميني أنا وابني ده من بهدلة الشوارع وقسوة الأهل.”
مسحت دموعها بطرف طرحتها وكملت:
ولاء كملت كلامها بشهقة مكتومة، وكأنها
بتسترجع شريط ذكريات مرّ

